
منذ بداياته حتى اليوم، بقي الفنان حسين نعمة رمزًا من رموز الأغنية العراقية الأصيلة، وصوتًا جنوبيًا يحمل وجع الروح وحنين النخيل، يمتاز بصوته الدافئ الحريري الذي لقب به من قبل كبار الملحنين العراقيين. لم يكن فقط مطربًا فحسب، بل قارئًا للقرآن الكريم، ورسّامًا تشكيليًا أقام العديد من المعارض، وذاكرة متحركة لفن الجنوب، وامتدادًا طبيعيًا لعمالقة مثل داخل حسن وحضيري أبو عزيز. في هذا الحوار الممتع والصريح، نستعيد مع الفنان حسين نعمة محطات من حياته، وأسرار بداياته.
* بدايةً هل تتذكر كيف كانت أولى خطواتك نحو الغناء؟
- نعم أتذكرها جيدًا، البداية كانت في تقليد أغاني الفنان الراحل داخل حسن وحضيري أبو عزيز، وكنت أرددها في جلسات الأصدقاء والمناسبات، لكن الانطلاقة الحقيقية كانت عام 1969 عندما قدمني الملحن كوكب حمزة إلى إذاعة بغداد بأغنية «يا نجمة» من كلمات الشاعر كاظم الركابي.
* مَن هو أول مَن قدمك فعليًا إلى الوسط الفني؟
- الفضل الأول في تعريفي على الجمهور كان للراحل كاظم الركابي، صديق عزيز وشاعر عملاق، هو من دعاني لأول مرة لجلسة فنية حضرها عدد من الفنانين والأدباء في أحد فنادق بغداد قرب المسرح الوطني، وهناك تعرفت على عدد من الشعراء والملحنين، ومن هناك بدأت رحلتي الحقيقية.
* نعلم أن هناك قصة وراء اكتشاف صوتك.. هل تحكيها لنا؟
- نعم، هذه قصة طريفة، فالكاتب والباحث الدكتور محسن إطيمش هو أول من لمح صوتي حين التقى صديقه كوكب حمزة في محطة قطار الناصرية، وأقنعه أن يمكث ليلة في المدينة. في اليوم التالي كانت هناك حفلة لنقابة المعلمين، كنت أغني فيها.. سمعني كوكب حمزة، وأعجب بصوتي وطلب أن نعمل معًا، وهكذا بدأت القصة.
* ما قصة أغنيتك الشهيرة «نخل السماوة»؟
- هذه الأغنية ولدت في المهجر.. كنت في ديترويت، ومررنا بمنطقة شعبية تشبه علاوي الحلة في بغداد.. طلبت من المتعهد إقامة حفلة هناك، لكنه استغرب لظنه أنها ستفشل.. لكن الحفلة نجحت، وغص المكان بالجمهور، خصوصًا من أبناء السماوة، وكان ذلك بسبب حبهم لأغنية نخل السماوة يكول طرتني سمرة.. الأغنية صارت نشيدًا شعبيًا.
* كيف كانت ردود فعل عائلتك عندما اخترت أن تصبح مطربًا؟
- هذا كان أصعب قرار اتخذته في حياتي.. أنا من عائلة دينية وكنت أجود القرآن الكريم في المناسبات.. عائلتي لم تتقبل الأمر في البداية، لكن أجواء الناصرية، والبيئة التي نشأت فيها، وتأثري بداخل حسن وخضيري أبو عزيز، كانت أقوى من التردد.. وقررت أن أكون مطربًا يحمل رسالة الجنوب وأصالته.
* حدثنا عن علاقتك بالمقام العراقي، ولماذا لا تؤديه كثيرًا؟
- نعم، أنا من قراء المقام العراقي، وأجيده، لكني أتحاشى أداءه لأنني لا أريد أن أقتحم مجالًا تخصص به عمالقة كبار، واحترامًا لهم تركت المقام لمن اتخذه لونًا ثابتًا. أما أنا فقد اتخذت اللون الريفي الممزوج بأجواء المدينة لونًا خاصًا بي.
* ما الأغاني التي تعتز بها في مشوارك؟
- أعتز بكل ما غنيت، لكن تبقى ( يا نجمة ، غريبة الروح ، رديت ، كون السلف ينشال ، ما بين يوم وليلة ، و نخل السماوة)، والاخيرة من الأغاني التي أشعر بأنها قطعت من روحي. كما أعتز بتعاوني مع كبار الشعراء والملحنين ككوكب حمزة، كمال السيد، جعفر الخفاف، الراحل محمد جواد أموري، والراحل الكبير طالب القره غولي، ومحسن فرحان.
* كيف كان شعورك وأنت ترى أغانيك تُسمع في كل زوايا الناصرية؟
- الناصرية ليست فقط مدينتي، بل هي مرضي كما أقول دائمًا. كنت أجد أغنياتي تُباع وتُسمع في كل مكان، في التسجيلات، في المقاهي، في الحفلات الخاصة. هذا الحب الذي يكنه لي أهل الناصرية هو وسامي الحقيقي.
* ماذا عن تجربتك في السينما؟ حدثنا عنها.
- تجربتي الأولى كانت في فيلم «حمد وحمود» مع الفنانة شذى سالم. صحيح أن النقاد لم يحتفوا به كثيرًا، لكن الجمهور أحبه، خصوصًا لأني كنت معروفًا شعبيًا، والفيلم لاقى قبولًا واسعًا.
* كيف تصف صوتك حسب آراء الموسيقيين؟
- حسب ما قيل لي من عدد كبير من المختصين، فإنني أمتلك طبقة «قرار» هي الأجمل في الغناء العراقي، وصوتي يملك انسيابية ونغمة تطريب خاصة. رضا علي قال إن صوتي وناظم الغزالي هما الصوتان اللذان أثرا فيه، وعبد الحسين السماوي قال إن صوتي لا يُضاهى منذ عام 1969.
* حدثنا عن هوايتك في الرسم، ومشاريعك الفنية الأخرى.
- أنا رسام تشكيلي بالفطرة ، وقد أقمت معارض عدة في بغداد، أبرزها في فندق عشتار شيراتون. فكرت كثيرًا في تسويق لوحاتي، لكن للأسف لم تنجح الفكرة رغم الإقبال الجيد. الرسم بالنسبة لي متنفّس روحي آخر غير الغناء.
* وأخيرًا، ماذا تقول لجمهورك ومحبيك؟
- أقول لهم: شكراً من القلب. محبتكم هي عمري الحقيقي، ما دمت حيًا ، وسأبقى وفيًا للجنوب، للناصرية، لكل من منحني حبًا واحترامًا. وأتمنى أن أكون امتدادًا حقيقيًا للأصوات العظيمة التي سبقتني، وأن أكون عند حسن ظن جمهوري.
* أين أنت الآن يا حسين المعروف بنكهة نخيل الجنوب ؟
- أنا في بيتي، وأعلنت اعتزالي الغناء ولكني ما زلت رساما فقد شاركت آخر مرة في معرض تشكيلي كبير أقيم في الناصرية بثلاث لوحات نالت إعجاب الجميع ؟
* هل تقيم نفسك كفنان تشكيلي ؟
- لست أنا مَن أقيم نفسي ولكني سأذكر لك قولا لقاسم سبتي رئيس جمعية الفنانين التشكيليين، إذ قال: يا حسين انصح أن تبقى فنانا فطريا وبدون دراسة لأنك فنان رائع تجسد الواقع بحب وأصالة.
ختامًا، هذا هو حسين نعمة، الصوت الذي خرج من أهوار الناصرية ليغني الوطن كله.. حكاية صوت لا يُنسى، وفنان لا يُشبه أحدًا.