رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
ثمن الاغتراب القسري: الكانتونية السورية أنموذجاً


المشاهدات 2697
تاريخ الإضافة 2025/01/01 - 8:40 PM
آخر تحديث 2025/08/31 - 12:05 AM

لابد من أثمان باتت تتطلب دفعها لإحياء العثمانية القديمة -الجديدة، يوم تم قبول اكثر من 3 ملايين مهاجر سوري في بلاد الأناضول، منذ تفكك النظام السوري داخليا في حرب اهلية طاحنة، بما فيهم الخاضعون للحماية التركية المؤقتة داخل الشمال السوري، لكي تجسد في كلياتها احياء احلام الامبراطورية العثمانية القديمة -الجديدة، وعلى وفق حدود سوريا الشمالية في خرائط الشرق الاوسط الجديد. فالكل يقضم من سوريا وفي المقدمة تركيا التي حلت محل ايران بأريحية مذهبية عالية على حساب تصفية الحسابات مع المشروع الايراني الذي واجه وحده اسرائيل وتركيا والولايات المتحدة، والرفض المذهبي السني الذي خلا بالغالب من وطنيته والاحتكام الى العامل القومي المذهبي.واخذ ينظر الى ايران والحكم العلوي على ان الاقلية الحاكمة تستعين بقوة مذهبية تنسجم ونظام الحكم الذي ضيق بدكتاتوريته الحزبية على مدار 53 عاما ليولد نظاماً لا ينسجم مع اللون المذهبي لغالبية الشعب.
وهنا ستدفع سوريا ثمن الاستبدال المذهبي بالتحول الى سوريا الكانتونية.
ان تأصل الدكتاتوريات في جسد انموذج الدولة - العائلة في انظمة سايكس بيكو لغاية القرن الحادي والعشرين ليحل محل الدولة-الامة، وتغريب مكونات الشعب الواحد الذي ارسى استقلاله على فكرة تلك الدولة- القومية خلال القرن العشرين ، لم يتح لتفكك البلاد الاثني والطائفي سوى كانتونات مستوردة لمبادئ الحرية والديمقراطية لمواطنيها ممن عاشوا في المنافي باغتراب ملون كلاجئين او مواطنين من الدرجة الثانية بلا شك.
وهنا يقول المفكر الكبير في الاجتماع السياسي الدكتور مزهر الخفاجي في بحث مهم عنوانه: العرب.. وسوريا هل ربحنا الحرية وخسرنا الدولة؟.. قائلاً:((وهل صحيح اننا في تغيير الانـظمة وفق الانموذج السوري قد ربحنا الشعب وخسرنا الدولة؟.. ترى كم دولة سنخسر وفق فرية الحرية هذه وكم دم سيسال وهل انتقلنا من تجربة الحكومات الوطنية الغاشمة الى احتلالات مغلفة بملابس حقوق الانسان وحرية المكونات وحرية المرأة؟! وهـل ان الـعرب وسـوريـا سيستبدلون احـتلالات باحـتلالات جـديـدة ..وهـل صـحيح ان مـايـعيشه الـعرب الأآ سـببه خـيانـة حكوماتهم لشعوبهم ودولهم .. بعد ان قبلت ان تـــعيش مرحلة انتداب ووصاية واحتلال من نوع جديد .
نعم ، ربح الشعب السوري حريته لكن في الوقت نفسه خسروا دولتهم ...)).
وهكذا فبعد ان قادت الدكتاتورية العربية بلدان الشرق لنصف قرن على قاعدة سايكس بيكو، وسقوط نظام الدولة- الامة الذي استبدل بالدولة- العائلة، ستولد انماط جديدة من الحريات والديمقراطيات التي ولدها اغتراب مكونات الشعب الواحد في المهجر لسنوات بعيدة من التشرد وقبول المواطنية من الدرجة الثانية، لتستنسخ تجربة سياسية في الداخل تحمل هموم مغتربي الشعب في الخارج.. انها ايديولوجيات ملونة موجهة نحو الكانتونات القائمة تحديدا … وهي ظاهرة سياسية خطيرة في تسليط مجتمع الاغتراب لإقامة نظام سياسي توافقي جديد لما بعد سايكس بيكو.. وهنا الاغتراب حتى بتقاطعاته مع دول اللجوء او بالولاء لها… فإنها ستولد كانتانوات بإديولوجيات تحمل عقائد الحرية والديمقراطية من بلدان اللجوء وهي محصنة بعقد الاضطهاد المزدوج ، ولكنها لن تولد إلا نظاما سياسيا منقلب الاغتراب او مقلوب الاغتراب Reversed Alienation كنمط سياسي سالب يتعاطى ادارة الدولة والمجتمع .
فهكذا مجتمع سياسي سيكون بعقد اجتماعي مجرد من فكرة الدولة - الامة وانه محض مالك متعدد الاهواء والجنسيات الذهنية والدينية لإدارة شركة خاسرة اسمها الوطن الواحد الذي فككتة الديكتاتورية وجمعت اجزاءه (تكسيرا) القوى مقلوبة الاغتراب عبر ادارة كانتونية منقلبة ستبقى مغتربة ...يقول البروفيسور ديڤيد ميلر… David Miller أستاذ علم الاجتماع السياسي في جامعة برستول في بريطانيا:((في حين أنّ داعش صارت ترتدي البدلات الرسميّة، وتطلق يد الولايات المتحدة لتقسيم سوريا، وتبشّر بالسّلام مع الكيان الصهيوني، وترحب بإنشاء أسواقٍ حرّة، وتبرم صفقات الغاز مع رعاتها الإقليميين، وفقًا للخطة المرسومة بالضبط، فإنّ «المؤمنين الحقيقيّين» في الشتات السّني لم يدركوا بعد أنّهم قد بيعوا.
يضحك في سرّهم مخططو هذه الحرب، من دول حلف شمال الأطلسي الذين أرسلوا الشباب السّلفيين من مختلف أنحاء العالم إلى مفرمة اللّحم، لقاء رواتب (2000 دولار للشخص) ليست أكثر من ذرّة رملٍ مقارنةً بالثّروات المتوقع أن تجنيها تركيا و”إسرائيل“ وغيرهما، من الغاز وقطاع البناء لإعادة الإعمار.
لقد احتلوا فلسطين من أجل هذا الهدف، وسوف يقضون الثلاثين عامًا القادمة في تبرير ما يفعلونه من نهب لثروات سوريا، باعتماد سياسة ترويجيّة تتولاها شركات ضخمة استأجرها حلف شمال الأطلسي ودول الخليج لهذا الغرض... إنّ عمليّة تغيير النظام السوري هي أكبر عمليّة نهبٍ في هذا القرن)).
واخيراً ، مايراه المفكر السياسي الكبير ابراهيم العبادي في مقاله المنشور بعنوان: المشروع التركي في المنطقة !.. قائلاً ((بتراجع المشروع الايراني بقوة بعد نكبة 7 اكتوبر ومضاعفاتها، تجد تركيا ان مجالها الحيوي يتوسع بسهولة عبر رمزية اسلامية كثيفة وطموحات امبراطورية عصرانية لا تشاكل النموذج الامبراطوري الذي اطيح به في الحرب العالمية الاولى.. ستجد تركيا ماتبحث عنه خارج حدودها الجنوبية، ساحة للاستثمار ونظام سياسي ومجال حيوي وعمق استراتيجي، ولذلك هي تستعجل ترسيم الحدود البحرية مع سوريا لان عينها على الغاز المغمور في المياه الاقليمية، وهي مستعجلة للتخلص من الصداع القومي الكردي، فهي تضغط على الاكراد لتسليم السلاح والتراجع عن حلمهم القومي او الدفن بالبلدوزر العسكري التركي الزاحف بقوة .
مايزعج تركيا هو مخاوف عدم الاستقرار في سوريا ورفض الاكراد التسليم للمطالب التركية ودعم الغرب شركاء تركيا في حلف الناتو للاكراد، وخوف العرب من تغول تركي يحي خطابات الاسلام الاخواني ومشروعه السياسي، السعودية والاردن ومصر والجزائر والامارات وتونس والعراق يعاينون بحذر مايجري في سوريا، كما تسعى ايران وحلفاؤها الى عدم التسليم بالمتغير الاستراتيجي في سوريا، فيما تستمر اسرائيل في تعظيم مكاسبها الاستراتيجية في المنطقة وهي تبدو غير قلقة مند الاسلام الاخواني وجبهته الجديدة الممتدة جغرافيا من اسطنبول الى دمشق.
انظمة الحكم والجماعات الاخوانية ليست مثل منافستها الشيعية تستعجل الصراع مع اسرائيل، وتعلن بلا مواربة، الصلاة في القدس مذهبا سياسيا وستراتيجية عملانية حتى لو كانت الكلفة الموت المقدس والاكتفاء بالنصر المعنوي رغم التضحيات الجسام، الجماعات والحكومات الاسلامية السنية مستعدة للتطبيع مع اسرائيل دون تردد لان هدفها المركزي ليس الاصطدام بالمشروع الاسرائيلي او الامريكي، بل تثبيت اركان الحكم والبناء الداخلي. أما تحرير القدس فمشروع لا عجلة فيه لانه بلا مردود سياسي او اقتصادي ولا حتى ايديولوجي .. وبالحقيقة هو مشروع مؤجل تشذ عن ذلك حركات المقاومة الاسلامية الفلسطينية لانها معنية مباشرة بمشاغلة الاحتلال بسبب ضغوطه الهائلة…)).
ختاما، تبقى الدولة- الامة هي الضمانة الحامية من لعبة الدولة - اللا-امة، وبخلافه القبول بالدولة - الكانتونية، إذ سيخضع الكانتون الواحد بلا ريب لإرادة دولية يلونها الشرق الاوسط الجديد للحصول على مكاسب جيوسياسية ربما تؤسس سايكس بيكو كانتوني جديد، فلننتظر قادم الأيام.


تابعنا على
تصميم وتطوير