رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
«الزير» وتبديد المال العام !


المشاهدات 1113
تاريخ الإضافة 2022/06/20 - 8:25 PM
آخر تحديث 2022/08/08 - 12:59 PM

تعدُّ جرائمُ الفساد المالي والإداريّ من أكثر الجرائم انتشاراً وخطورةً على المالِ العام واقتصادِ البلدان، وان ظاهرةُ الفساد من أهم العوامل التي تؤدي إلى تبديدِ الأموال والثروات، بل إنها تضربُ في الصميمِ كلَ مفاصل الدولة ومؤسساتها. 
ديننا الحنيفُ أكدَ على حرمةِ المال العام، وحذّر أيضاً من أن تمتدَ الأيادي إلى شيءٍ منه، فلا يجوزُ لكل من تسول له نفسه استحلال شيء من المالِ العام لنفسه، أو لغيره من دون وجهِ حق.
وفي هذا الصدد، قرأتُ قصةً ظريفةً، لكنها معبرة جداً، توضح كيفيّةَ استغلال توجيه المسؤول وانحرافه عن مساره من قبل الحاشيةِ وغيرهم، وكيف ممكن أن نصنعَ من صغائر الأمور مشاريعَ قد تكون وهميةً، لكنها تستنزف المالَ العام وتهدره، وتصرفنا عن أهدافنا الكبرى التي نطمحُ من خلالها إلى خدمةِ الناس. 
أقولُ .. روي أن ملكاً كان يتفقد أنحاءَ مملكته عندما مـرَّ على قريةٍ ووجدَ أهلها يشربون من «الترعة» مباشرةً فأمر بوضعِ زيرٍ ليشربوا منه ثم مضى ليكملَ باقي جولته..  أمرَ كبيرُ الوزراء فوراً بـشـراء زيـرٍ ووضعه على جانبِ «الترعة» ليشرب منه الناس ..
وبعد أن وصلَ الزيرُ إلى المكانِ، قال أحدُ الموظفين: هذا «الزير» مالٌ عامّ، وعهدةٌ حكوميّة.. لذلك لابدّ من خفيرٍ يقوم بحراسته، وكذلك لا بدّ من «سـقّاء» ليملأه كل يوم.. 
وبالطبع .. ليس من المعقول يكون هناك خفيرٌ واحدٌ وسقاءٌ واحد يمكن أن يعمل طوال الأسبوع، فتم تعيين 7 خفراء، و7 سقائين للعملِ بنظام الدوريات، لحراسةِ وملء الزير!!!
ثم نهضَ موظفٌ آخر، وقال: «هذا الزيرُ يحتاج إلى حمالةٍ وغطاءٍ وكوز»، لذا لابدّ من تعيينِ فنيي صيانة لعملِ الحمالة والغطاء والكوز..  وهنا بادرَ موظفٌ «خبير متعمق صاحب نظره ثاقبة»، وقال: طيب، ومَن الذي يعمل كشوفاً لمرتباتِ هؤلاء الناس الذين يعملون؟ ، لذلك لابدّ من إنشاءِ إدارةٍ حسابيّةٍ وتعيين محاسبين فيها ليصرف للعمال مرتباتهم.. ثم جاءَ بعده مَن يقول: طيب، ومَن يضمن أن الناس سيعملون بانتظام؟، لذلك يجب أن نوفرَ لهؤلاء مَن يتابعهم، ويشرف على الخفراءِ والسقائين والفنيين.. فـتمّ إنشاءُ إدارة لشؤون العاملين وعمل دفاتر حضور وانصراف للموظفين والعاملين.
ثم أضافَ موظفٌ كبيرٌ آخر: «طيب، فلو حصلت أي تجاوزاتٍ أو منازعاتٍ بين العمال وبعضهم فمَن الذي سيحكم فيها»؟، أرى أنه لابدّ من إنشاءِ إدارة شؤون قانونيّة للتحقيق مع المخالفين والفصل بين المتنازعين.. وبعد أن تم تكوينُ كل هذه الإدارات، جاءَ موظف «موقر»، وقال: «مَن سيرأس كل هؤلاء الموظفين»؟، الأمرُ يتطلب انتدابَ موظف كبير ليدير العمل.
وبعد مرور سنة.. كان الملكُ يمرّ كالعادة متفقداً أرجاءَ مملكته، فوجدَ مبنى فخماً وشاهقاً مضاءً بأنوارٍ كثيرة، وتعلوه «لافتة كبيرة» مكتوب عليها «الإدارة العامة لشؤون الزير»!!.. ووجدَ الملك في المبنى غرفاً وقاعاتِ اجتماعات ومكاتب كثيرة. كما وجدَ رجلاً مهيباً أشيب الشعر يجلس على مكتبٍ كبيرٍ وأمامه لافتة مكتوب عليها: «المدير العامّ لشـؤون الزير».
فتساءل الملكُ مندهشاً عن سرِّ هذا المبنى، وهذه الإدارة الغريبة التي لم يسمعْ بها من قبل، فأجابته الحاشية الملكية:  إن كل هذا للعنايةِ بشؤون «الزير» الذي أمرت به للناس في العامّ الماضي يا مولاي!
ذهبَ الملك لتفقد الزير، فكانت المفاجأة .. إنه وجدَ الزير فارغاً ومكسوراً وبداخله «ضب ميت» وبجانبه غفير وسقاء نائمين، وقربهم لافتة مكتوب عليها: « تبرعوا لإصلاح الزير».. مع تحياتِ الإدارة العامّة لشؤون الزّير!!
السؤالُ هنا: أين كان الملكُ طيلة العام، وهل حقاً هكذا تُدار الأمور في بلداننا.. وهل سيأتي يومٌ – لا قدّر الله- ليصبح حالنا كحال «الزير» فارغاً ومكسوراً.. أم سنرى المال العامّ بأفضل حاله ويتمتع به أبناء البلد؟!
وفي الختام أقول.. يجب الحفاظُ على المالِ العامّ واحترامه، ويحرم إزهاقه وإهداره في غيرِ طائلٍ، وحرمته أشدّ من حرمةِ المال الفرديّ، لأن المملوك الفردي حقه مقتصرٌ على صاحبه. أما المالُ العامّ فحقه مشتركٌ بين جميع المواطنين، ولذلك فهو أشدّ حرمةً من غيره.


تابعنا على
تصميم وتطوير