رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
الكذبة النبيلة


المشاهدات 1342
تاريخ الإضافة 2022/01/18 - 7:44 PM
آخر تحديث 2022/08/13 - 9:41 PM

 قبل أن يكسرها التضخم، كانت الدول تعرّف عن نفسها أكثر من اقتصادها بعملتها المعدنية. أنت تعرف بوصفك زائرا أن تلك الدولة تمتلك اقتصادا حيويا عندما يمتلئ جيبك بنقودها المعدنية. أما إذا كان عليك أن تصطحب حقيبة معك كي تضع فيها رزم النقود الورقية من أجل دفع وجبة طعام واحدة، فهذا يعني أن تقرأ السلام على اقتصاد تلك البلاد.
بوجود الدفع الإلكتروني الذي يُدرج ضمن الأكاذيب النبيلة، أصبحت العملات المعدنية التي كانت جزءا مؤثرا في طفولة كل الناس، تبدو وكأنها آثار مزعجة، عفا عليها الزمن مثل مجموعة طوابع لا أهمية لها. بينما كانت تعبر تلك النقود حتى سنوات قريبة عن قوة اقتصاد البلدان.
عندما تتم الإجابة على سؤال “هل يمكننا الوثوق بما يحدث للمال؟” علينا أن نتذكر أولا أن المال لم يعد اليوم أوراقا نحس بأهميتها بمجرد ملامستها أو منحها لأصحاب المتاجر عند التبضع، لكن هذا الإحساس بدأ بالتلاشي والتراجع لمجرد تحول المال إلى صور وأرقام في هواتفنا الذكية، بينما فرغت محافظنا الصغيرة منه ومن رائحته في جيوبنا “للمال رائحة أيضا”.
الآن يمكن العيش لأسابيع في بلدان كثيرة من دون مس النقود. وذلك من سوء حظ اللصوص، فالبنوك صارت لا تحتوي غير الأوراق والأضابير، التي تعبر عن المال، وليس المال نفسه.
فهل يمكن الشعور بنفس الإحساس حيال البلدان التي تعاني من تضخم قياسي وتتكدس حزم عملتها من دون قيمة، والدول التي لم تعد العملة الورقية فيها أداة محسوسة في التداول بوجود الهواتف الذكية؟ دعك ممّا ينتظرنا من مستقبل العملة الافتراضية.
إذا كان السائح يشعر بالشفقة على الدول التي تعاني من تضخم لمجرد أنه يحصل على عدة شدات من المال باستبدال ورقة واحدة من مئة دولار، فإن من يعيش في دول أخرى مستقرة اقتصاديا يشعر بالذنب المتأخر لمجرد أن يدفع بهاتفه الذكي من دون وجع قلب. الوجع يتراكم حتى نهاية الشهر عندما يحين موعد السداد.
في جميع أنحاء العالم، يتخلى الناس عن الأشكال القديمة للمال ويتبنون أشكالا جديدة أسرع مما يمكن لأدمغتنا وعاداتنا معالجته. ذلك ما يقلق أساتذة الاقتصاد الذين يقدرون طبيعة الإحساس بالنقود أكثر من غيرهم، وهذا ما يصفه إسوار براساد، الاقتصادي بجامعة كورنيل بنيويورك، بالمنعطف المثير للاهتمام. ويقول “إنها فترة تثير القلق بدرجة كبيرة بشأن ما يحدث للأشكال التقليدية للمال، وما إذا كانت هذه التطورات التكنولوجية التي نراها من حولنا ستفيدنا بطريقة ما، أو تخلق المزيد من الاضطراب”.
إن زوال النقد ليس التطور الوحيد الذي يثير قلق الاقتصاديين. معظم الأموال التي نستخدمها اليوم تصدرها البنوك وليس الحكومة. عندما تدفع ببطاقة ائتمان أو بطاقة خصم أو تحويل أموال إلكترونية، فإن المؤسسة التي تقف وراء المعاملة هي بنك. بهذا المعنى، فإن الدولار الافتراضي في الحساب الجاري في البنك الذي تتعامل معه يختلف اختلافا جوهريا عن الدولار في قبضة يدك. وما ينتظرنا أكثر من ذلك عند ظهور الأموال غير المصرفية، بما في ذلك العملات المشفرة عندها سنجد أنفسنا بلا شيء مقبول كوسيلة للتبادل، لتنتهي مؤسسة المال الاجتماعية، التي كانت تعد كاللغة، تعتمد قيمتها على عدد الأشخاص الذين يتحدثون بها.


تابعنا على
تصميم وتطوير