
عبد الخالق الزهيري
الحاج لفته ينوء بسنينه الخمس والثمانين، فثمة وهن بادٍ على جسمه المكدود واخاديد الكبر طرزت محياه وأمراض الشيخوخة ما انفكت تهاجمه في كل حين. ظل ساكنا لا يبرح مكانه الا بالكاد ولا يسير الا بشق الأنفس. عاش حالة من الاستغراب وضاق ذرعا بكل ما يحيطه من اشياء.سئم النظر الى الجدران التي تحاصره والثريات المكتنزة بالاضواء و الارضيات المفروشة بالسجاد الفاخر.
ذات مرة وقع نظره على شاشة التلفاز فأبصر قاطرة بخارية وهي تغذ السير على القضبان الحديدية. استجمع قواه واقترب من الشاشة واصاخ السمع لكل كلمة قالها المعلق على البرنامج...ارتسمت على شفتيه ابتسامة تخفي وراءها كما هائلا من ذكريات السنين الطويلة...في اليوم التالي طلب من نجله الاكبر ان يرافقه الى محطة قطار( الجليبه ) حيث كان يعمل هناك قبل سبع وستين سنة. ما ان وصل الى مكان المحطة التي غدت اطلالا تنتشر فيها قطع من الطابوق والصامولات ومسامير تثبيت السكك الحديدية، حتى انفرجت اساريره وانتابه شعور بالفرح تحول رويدا رويدا الى الم وهو يوزع نظراته على شرق المكان وغربه.
جلس بتثاقل على كتلة كونكريتية ماسكا عكازته بيده اليمنى و مشيرا بسبابة يده اليسرى المرتعشة نحو اثار لخزانات الماء والزيوت. جال ببصره نحو الغرب فرأى الشجرة المعمرة التي زرعها أحد العمال الهنود في بداية دخول القوات الانكليزية الى العراق.....على مبعدة من تلك الشجرة ثمة رابية تستدير حولها سكة القطار. ركز النظر في تلك الرابية و ظل ساهما....
تناهى الى مسامعه صفير القطار وهو يمزق جثة الصمت في صحراء موحشة ورأى دخانا يصعد الى عنان السماء ثم احس ان رعبا قد ملأ صدر الارض التي ارتجفت تحت أقدامه.
توقف القطار في المحطة و امتلأ المكان بالدخان والبخار الحار. بعد لحظات استأنف القطار مسيره نحو الجنوب و ظلت نظرات الحاج لفته تتابعه حتى توارى عن الأنظار... انتبه فالفى ولده واقفا بجانبه وهو يراقب نظراته التي اختصرت فصولا طويلة من حياة زاخرة بحكايات لفتها سنين ابت الا تعود ابدا. مسك عكازته و قام بتثاقل ثم سار ببطء وتؤده باذلا ما في وسعه كي يحافظ على توازنه وهو يوزع نظرات متفحصة على اطلال كانت في يوم ما محطة قطار حافلة بالحياة وسط قفر موحش. قاده الحنين صوب أحد الاطلال الذي كان بيتا له قبل سنين خلت.
حال وصوله إلى ذلك الطلل عصفت به الذكريات وتزاحمت الصور واضطربت الأفكار....ثمة شيء غريب شده الى هذا المكان فرغم الصمت المطبق الذي لف زواياه فقد رن في مسامعه صوت بكاء وليده الجديد مع تهويدة جنوبية تقطر اسى شفيفا اطلقتها زوجته وهي تهدهد طفلها في ليل شتائي طويل قارص البرودة....تراءت امامه وهو يحدق بوجهها حينما كانت تستقبله بكل حنو و بشاشة محاولة ازالة اثار التعب بعد يوم مليء بضجيج القطارات ومخاطر اعمدة التلغراف. لقد رافقته خلال سني عمرها مذ ان تخلت عن افياء النخيل وامواج الشطآن لتكون معه في صحراء قاحلة جرداء. شعر الحاج لفته ان حافزا كبيرا دفعه دون وعي فقادته قدماه الى الغرفة التي طالما حفلت بمشاعرهما النقية. ارتسمت امامه صورة واضحة....سرير نوم...فانوس معلق في سقف الغرفة...اثاث بسيط...صور الاولياء معلقة على الجدران بجانبها ملابس العمل.... تحرك وسط الغرفة واتجه صوب مخدع زوجته...انفرجت شفتاه و تمتم بكلمات غير مفهومة ثم رفع رأسه وترقرقت عيناه. لم يتمالك نفسه فتدحرجت دمعة ساخنة على خده المكسو بالشيب سقطت على مخدع زوجته التي اغمضت عينيها اغماضة ابدية في ديار قصية.
*********
* الجليبه : محطة قطار بنتها القوات الانكليزية عام ١٩١٧ على خط السكك الحديدية المتري القديم بين بغداد والبصره. تقع في عمق الصحراء على بعد ٥٠ كم جنوب غربي مدينة سوق الشيوخ..تحيط هذه المحطة قلبان الماء حيث يرتادها البدو الرحل لسقي ابلهم في موسم الجفاف.