
محمود الرحبي
يحكى أن دجاجتين هبطتا من جبال ظفار إلى السوق لشراء مؤونة. (حين كانت الجدّات يسردن هذه الحكاية لم يكن الصغار ينظرون إلى الشفاه المتغضنة التي تصدر منها الكلمات، بل يرفعون أعينهم إلى السقوف الطينية التي تحفها الظلال الداكنة لرؤوس الأشجار، حيث تبدأ الصور في التشكل، فيرسمون بخيالهم الحر -وهم ينظرون في شاشات بلا إطار- صورا لدجاجتين تهبطان خفيفتين من الجبل، تتدلى من ظهريهما سلال سعفية فارغة.)
رجل جبلي اعتاد في كل جمعة أن يشق طريقه النازل إلى سوق صلالة ويبيت عند أحد معارفه هناك، ثم يغادر في الصباح عائدا إلى الجبل، محملا بمؤونة أسبوع كامل، من سكّر وطحين ونحوهما. وحين مرض، قامت دجاجتاه بذلك الدور وشقّتا، بدلا منه، طريقهما المنحدر إلى السوق!
وجبال ظفار، التي يعيش فيها الدجاج آمنا، إذ يأنف الجبليون من أكله، تصنّف ضمن مناطق قليلة جدا في العالم يعيش فيها الحجل العربي، وهو يختلف اختلافا بيّنا عن الحجل البري، بل يمكن عدّه، وبدون مجازفة، من أجمل المخلوقات الريشية على الإطلاق، بما يمكن أن يشكل أمنية البلوغ لأي طائر في البسيطة، نظرا إلى الألوان القزحية النادرة لريشاته ورشاقة حركات مؤخراته وخفره الملكي وهو يعبر سهوب الفجر متخفيا، وكأنما يعبر أدغال الخيال.
هبطت الدجاجتان وتبضّعتا، ثم عرّجتا على ذلك البيت الذي اعتاد أن يبيت فيه مالكهما حين يحل بسوق المدينة، حيث أفرد لهما أهله مكانا دافئا في قنّ دجاج وألقوا لهما حَبّا وبسطوا لهما ماء. وهما تستعدان للنوم، قالت إحداهما للأخرى:
-إن شاء الله، غدا صباحا سنصعد الجبل.
فردت عليها صاحبتها:
-نحن ذاهبتان حتما إلى هناك حتى بدون الحاجة لأن نقول إن شاء الله.
في الصباح عوقبت إحداهما بأن ظلت كما هي دجاجة منزل، بينما كوفئت الأخرى بأن حُولت إلى حجل عربي.