رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
إنعام كجه جي تدرس الوقائع العراقية وسرديات الذاكرة


المشاهدات 1601
تاريخ الإضافة 2019/04/17 - 5:38 PM
آخر تحديث 2026/08/25 - 8:03 AM

علي حسن الفواز لا تجد الروائية العراقية انعام كجه جي في الخطاب الأنثوي فضاء سوى ما تستدعيه الذاكرة من أسئلة وفجائع ولحظات فارقة للغياب، ومن لغة تعبيرية مشحونة بالهواجس والقلق والأصوات. فشخصياتها تعيش رعب عقدة الهوية، ومحنة الانتماء، فضلا عن معاناتها إزاء مركّب الصراع الذي تعيشه المرأة العراقية، والمرأة المسيحية بشكل خاص وهي تواجه رهابا توصيفيا وموتا رمزيا غرائبيا. لا يخرج منظور كجه جي للحوادث عما ترصده من وقائع فاجعة، ومن اغترابات تأخذها الى أقصى المحنة، والى الإحساس المريب إزاء طبيعة التوحش الذي تبديه الهويات المهيمنة، والتي تُفضي بها الى خيارات صعبة، ومجهِضة للذاكرة. هذه الذاكرة تصطنع لها سرديات تلامس التاريخ والحدث والهوية والشخصية، كما أنها تلامس الزمن وتستعيده بوصفه علامة متحركة، أو بوصفه مجالا للمتن الحكائي الذي تستدعيه، والذي يتشظى في مدونة السرديات الى زمن نفسي، وزمن سير ذاتي. تعالج إنعام كجه جي الزمن العراقي ليس من منطلق سيكولوجي، يحكم بعض حراك الشخصيات والحوادث، بل من خلال ما يشبه الزمن السيميولوجي الذي يصطنع لعلاماته مجالا يقوم على فعل التواتر في الحكي/ القص، وعلى التقاطع، حيث الحوادث والصراعات التي تبدأ من الخمسينات، ولا تنتهي عند الاحتلال الأميركي، تضعنا أمام عتبات قرائية تفضي الى مقاربة التحولات في الامكنة والامزجة، عبر ما عاشته الشخصيات بعد حوادث 1958 وصولا الى ما تساقط منها من رعب نفسي وسياسي وقيمي تسبب كثيرا في استفزاز الهويات/ المكوّنات لتظل تعيش مأزق ما تنتجه السلطة والجماعة والحزب والمعكسر من دلالات متقاطعة لوجودها ومحنتها. من هنا لا تجد كجه جي سوى أن تصنع أفقا لسردية المضمر من الوقائع العراقية، التي ترتبط بالتاريخ العراقي ومادته الحكائية، وبتمفصلاته على مستوى الصراع وانكسار الخط التتابعي لها، وعلى مستوى إحالاتها على التاريخ السياسي حيث تعيش شخصياتها محنة وجودها وأوهام هوياتها. تتحول هذه الانكسارات الى وقائع سردية يتداخل فيها المتخيل مع الدال السيميائي، اليومي مع العمومي، إذ تتلبس شخصياتها أقنعة الشاهد والرائي والسارد، مثلما تخضع في المقابل الى نوع من المراقبة الذي يفضح كل شيء. فالشخصية لا تروي الحدث فحسب، بل تعيشه، وتتلمس أسباب شقاوته. كما أن مغامرتها في استعادة سرد الذاكرة تتحول الى لعبة في تأريخ مدونات أخرى للوقائع العراقية، وللتاريخ السياسي، والتاريخ الاجتماعي للمكونات العراقية، بوصفها الواقعي، أو بوصفها حكايا تقوم باشهارها امرأة عراقية في نظرتها إلى التاريخ والحوادث. في روايتها «الحفيدة الاميركية» تقف كجه جي عند لحظة تاريخية فارقة، تتقصى رهاب الزمن السياسي العراقي ما بعد الاحتلال، ومحنة الانسان وهو يواجه كل تحولاته وصراعاته واغتراباته، إذ تقارب عبر اللحظة شقاوة الوعي وهو يرصد الفجيعة ويعيش معها صراعا لأجيال عراقية لا تملك الحفيدة فيها سوى استعادة بعض صورها الغائرة من خلال ذاكرة الجدّة. كأن لعبة الحفيدة في اصطناع زمن جديد تصطدم بزمن الجدة ذاتها، الزمن المسكون بالكثير من سرديات الذاكرة. يتحول السرد في هذه الرواية الى لعبة قاسية في الحياة، والى مقاربة لأسرار الكائن والمكان، والى استغوار لكل ما يمكن أن يحملاه من شفرات تستبطن فجيعة الشخصية العراقية، وتستعيد عبر أصواتها المتقاطعة هواجس الخراب والاغتراب والموت. الحفيدة تروي سيرة انشطارها العميق، وتتوه بحثا عن المعنى من خلال التاريخ والذاكرة والأثر، وإذ تكون البطلة حاضرة بهذا الوعي الشقي، فإنها اكثر انشدادا للتعبير عن حمولاتها الرمزية والعلاماتية، تلك التي تظل تحت رهاب الصراع الداخلي تحمل جرحها النرجسي الغائر في الجسد والوجود. أما في روايتها «طشاري»، فترسم انعام كجه جي الاغتراب الهوياتي للكائن العراقي في الداخل والخارج، إذ من خلال هذا الاغتراب محنة هويته القلقة للمسيحي، الهوية المصابة بـ«الطشار» التي يتشظى حاملوها في المهاجر بحثا عن تعويض وعن إشباع، وعن لحظة امان واهمة، لكنهم يظلون مقابل ذلك مصابين بهوس نوستالجيا سرديات الذاكرة، وهي تستفزهم وتثير نوازع حنينهم لشفرات الوجود الراكز في الذاكرة والتفاصيل واليوميات العالقة بالمكان. شهادات كجه جي الروائية تستدعي القراءة ليس بوصفها مغامرة في السرديات العراقية، بل لأنها تحوز أيضا العديد من اشتغالات الوعي الظاهراتي المتعالي، الذي تستعيد من خلاله الروائية صور زمنها الغائب، وألفة حميميتها وهي تشحنها بأحاسيس لها قوة اللذة والخوف والخلاص، التي تتيح للقارئ مجالا يبيح له استكشاف المصير. حظيت الروايتان باهتمام لافت لأسباب تتعلق بطبيعة المعالجة الروائية، أو بطبيعة حمولتها الرمزية. فهي، وإن اعتمدت الوثيقة الواقعية، إلاّ أنها حاولت أن تضع هذا الواقع تحت فاعلية المتخيل السردي، وأن تجعل من شفرة الذاكرة خارج الحنين، وداخل فعل المراجعة التي تصطنع سردياتها ومواقفها، وأن تجعل الخطاب الروائي بمثابة فعل تعرية لزمن سياسي وزمن إنساني، ومن خلالها تبدأ بتعرية الوقائع والشخصيات. وعلى رغم أن هواجس التشظي والاغتراب هي القوة الموجهة للحوادث، إلاّ أن رغبة القراء أمام لعبة باهرة للكشف والتعرية كانت حافزا لمقاربة ما تتمثله شخصياتها بين قسوة الواقع وكشوفات التخيل، وكذلك بين سردية الرواية وسردية الريبورتاج، وهذا ما يجعلها أكثر تداخلا بعضها مع بعض، على مستوى موجهات القراءة، أو على مستوى المعالجة الفنية التي تجعل الخطاب الروائي الذي تفصح عنه الروائية مسكونة بالهاجس الحضوري للشخصية المحورية التي تقابل الذات العراقية في وقائعها الغريبة، حيث تبحث أيضا وسط لحظة عدم تاريخي عن وجود استعادي وعن استشراف لأفق تعويضي يجسده الحفيد في مقبرته الالكترونية المتخيلة. تضعنا انعام كجه جي في اشتغالاتها المميزة امام فضاء للتعريف بالرواية العراقية الجديدة، ليس بمعنى تقانتها الفنية فحسب، بل بجرأتها على تناول موضوعات مهمة، وغائرة، تلك التي تتعلق بأزمات التعاطي مع مفاهيم الهوية والذات والحرية والمهجر والآخر والحرب والاحتلال والحياة والموت، وهذه المفاهيم الإشكالية تتحول داخل السياق الروائي الى عناصر مولدة وباعثة على استكناه معاني مغايرة للحياة، مثلما تحفز على بواعث تشكيل وعي قرائي يغور في عوالم الوقائع العراقية، ويندفع عبر ما يمكن أن يستعيده من خلال الوعي الظاهراتي في اتجاه اصطناع قوة احتجاجية رافضة للتشظي وهيمنة الموت وقهريته الطاردة.

تابعنا على
تصميم وتطوير