رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
الرثـاء فخـراً


المشاهدات 1316
تاريخ الإضافة 2019/01/30 - 5:32 PM
آخر تحديث 2025/08/27 - 8:22 AM

زيد الشهيد زيد الشهيد في حاضرةِ الاغراض التي يتداولها الشعراء يأخذُ الرثاءُ شكلَ حاجةٍ تفرضُ وجودَها، طاغيةً علىَ مشاعر تحتدم تحت لهيب نار تتأجج.. تعابث الذاكرة صور تحمل طابع الفقد الأبدي.. وبهذا يكون الانفجارُ هائلاً.. تفيضُ بعدهُ القريحة بكل ما تمتلك من مفردات، وما تعرض من بوح، فيأتي الكشف بلا مقيدات، تتلاشىَ العوائق، ونرىَ إلى الرثاء فنجده فخراً أو مدحاً. إذْ قلمّا نواجه رثاءً خلا من هذين الغرضين . فلا رثاء يُكرّس مكاناً، ويحدد علوّاً إنْ لم توازه خِصال تحمل من الإشراق ما يبيض له وجه المرُأى (أما آنَ لصخرٍ أنْ يفلت من زمام الشعر ليدخل حومةَ النثر، فنقول فيه إنّه كان أخاً لتماضر من أبيها؛ وأنها عندما مات – بعد طعنةٍ قاتلة استمرت عاماً كاملاً – شرعت تندبه لأعوامٍ طوالٍ رثاءً رديفاً للمدح / توازياً لحثيث السمو الفخري) : أعينيَّ جوداً ولا تجمدا ألا تبكيان لصخر الندىِ؟ ألا تبكيان الجريءَ الجميل ألا تبكيان الفتىَ السيدا؟ ! انفلاتاً من الشعر لم يكن صخرُ اسماً لتُعليه تماضر، وتجسِّد توصيفات معانيه وما تؤول عليه حروفه، إنمّا كان مواقف تترىَ وخِصالاً تقطع علىَ مبررات النسيان مثولها . تأتي إليه – إلىَ صخر – هي المتزوجة من رجل مُسرفٍ أهرق ما لديه، وما لديها، فيتقاسم الأخ – غير الشقيق – مع أختَه ما يملك مرةً، وأخرىَ، وأخرىَ .. هل ثمةَ من كرم ويثار وسعةِ بال، واحترام أحاسيس ما يتجاوز فعلَ صخر حتىَ يبررّ للخنساء احتساب أخيها كأي أخ ترتبط ُ وأباه برباط الدم ليس غير؟ ! .. ألم يكن لها الحقّ في أنْ ترثي وتفاخر، مكررّة الاسم كما لو كان هو القصيدة؟ ! تبكي خنُاسُ علىَ صخرٍ وحقَّ لها . إذْ رابها الدهرُ إنّ الدهرَ ضرّارُ . وإنَّ صخراً لوالينا وسيدنا . وإنّ صخراً إذا نشتوا لنحّارُ وإنّ صخراً لمقدام إذا ركبوا وإنّ صخراً إذا جاعوا لعقّارُ وإنّ صخراً لتأتمُّ الهُداة به كأنه علمُ في رأسه نارُ قوامُ منتصب، وهامةٌ عالية .. شموخٌ يرسمُ أنفةً . كأنّا بتماضر تقفُ أمام إشهاد الشعراء، مواجهةً الحشد المنصت / المستمع تدفعهم ذائقتهم لتعقّب مفرداتٍ وصور هذه الرافلة على ثرى الكلمات .. تمسك بقلبِ الحجر لتستحثُّ جذوته، وتلوي عنقَ الزمن لتعلو فوق كاهله متنبئةً بأنَّ ما سيكون لها – لاحقاً – من الصفحات كُثرُ، ومن الاكبار ما يضجّج النفوس اعتزازاً .. امرأةٌ تمنح مثلاً حيّاً للاعتزام وعدم الإنكار تبني ذكرى جارفة على بركان ذاكرة وهيجة . 1 - رثاء تلوذ ما وراء كلماته مقاصد دفينة لنيل مآرب مبتغاه، تجد ابتداءاتها من انبثاق الحدث .. والحدث هنا لا يأتي مُتكرراً وبمناسبات متتالية يمسكها الشاعر فيتلاعب بالتعامل معها، إنّما يجيء ليعلن وجوده من خلال مفاجأة غير محسوبة يفجرّها قدرٌ متوارٍ / غير مرئي، تدخل من باب الوفاة أو القتل .. وفي رثاء يُظهر بارومتر الشعور زخمَ الفجيعة أقل وطأة، والألم ليس ذاك الموغل في أنسجة الروح كواءً، إذْ المُرثى لا يمت بصلة للراثي وإنْ بدت المفردات ناضحة بالأسى والكمد مشوبة بالفخر والاعتزاز؛ وإن بدأ القاتل شاعراً عَلماً كالمتنبي في رثائه لأمِّ سيف الدولة الحمدانيِ : أطابَ النفسُ أنكِ مُتِّ موتاً تمنتهُ البواقي والخوالي . يمرُ بقبرِكِ العافي فيبكي ويشَغلهُ البكاءُ عن السؤالِ ولو كانَ النساءُ كمن فقدنا لفُضَّلت النساءُ علىَ الرجال وما التأنيث لأسم الشمس عيبُ ولا التذكير فخرُ للهلال 2 - رثاءُ شخصٍ أكله الندم وأرهقه العذل فاستعانَ بالترجيّ طلباً لعفو رثائي .. فردُ لا يأخذ بالنصح، ولا يألوا تأثراً بالرجاء .. يخطو تحت غمامة غواية تسيُّره كالحالم، مُقاداً بهيمنةٍ تفتقدُ زمنيتَها، حتىَ إذا آل الوصل إلى زوال الفعل، وبان القول اليقين أدرك تخوم التعب والإنهاك والضنىَ .. عندها يتقدم القلبُ المتأوهُ لابن زريق البغدادي – المطعون بالخيبة – صوب الحبيبة الناصحة : لا تعذليهِ فأنَّ العذل يولِعُهُ قد قلتِ حقّاً ولكنْ ليس يسمعَهُ جاوزتِ في لومهِ حدّاً أضرَّ به من حيثُ قدَرّت أنّ اللومَ ينفعهُ فاستعملي الرفقَ في تأنيبهِ فهو مُضنَ القلب موجَعِهُ 3 - رثاءُ نفسٍ أسقطتها شباكُ الوقيعةِ في يم الضحك الذي هو واجهة لسعادةٍ مختلفة ظنّها الإنسان الفردُ تحمل من استمراريتها ما يجعلها سابحةً في ديمومةٍ لا تعرف اقيانوس الانتهاء.. ولا تدرك برازخ التوقف، حتى إذا استمر الزمن يدور في دوّامة التكرار، ثم الملل اكتشف هذا البائس / المخدوع أنّ ما ارتكبَ من ضحك كانَ من عداد السفاهة، فينطوي منكفئاً / مدحوراً يرثي هاته النفس محمولاً علىَ أكف لوم الأيام : ضحٍكنا وكان الضّحكُ منّا سفاهةً وخيرُ لسكّانِ البسيطة أنْ يبكوا تحطمنا الأيام حتىَ كأننا زجاجُ ولكنْ لا يعادُ له سبكُ إذاً يأتي رثاء المعرّي علىَ لسان صورة المفردات واصفة كينونة المخلوق عبرَ عدميّةٍ تفشي البؤسَ العميم الذي بمثابة خاتمة تراجيدية تعكس الرثاء الكلّي للوجود .

تابعنا على
تصميم وتطوير