[caption id="attachment_179469" align="aligncenter" width="300"]

كوربن والمسألة اليهودية[/caption]
لن نعود إلى تاريخ المسألة اليهودية في أوروبا، وهي ليست وليدة الحرب العالمية الثانية والمحرقة التي ارتكبها النازيون في ألمانيا، فلكل بلد ولكل جالية وضعها الخاص وصراعاتها أو اتفاقاتها مع دول القارة، قبل تلك الحرب وبعدها. لكن استخدام الحركة الصهيونية تواريخ اليهود (ليس لهم تاريخ واحد) الذين لا يوحد بينهم سوى الدين واعتبارها تبريراً لاستعمار فلسطين باستخدام الأساطير التوراتية، خصوصاً أسطورة الوعد الإلهي بالأرض «كأن الإله تاجر عقارات» (غور فيدال) هو ما يعنينا في العلاقة بين هذه الجماعات مع أوروبا وأميركا العلمانيتين اللتين تستخدمان هذه الأسطورة للتغطية على تدمير العراق وبلاد الشام.
منذ أسابيع عادت المسألة اليهودية للظهور بقوة في بريطانيا من خلال اتهام حزب العمال بشخص زعيمه جيريمي كوربن بمعاداة السامية، على رغم العلاقة التاريخية التي تربط هذا الحزب باليهود ودفاعه عنهم واعتبارهم جزءاً من النسيج الاجتماعي لا يجوز عزلهم.
وصل كوربن إلى زعامة الحزب وهو من اليسار «المتطرف»، بعد توني بلير، صاحب التزوير المشهور في تبرير غزو العراق، وبعد اليهودي ديفيد ميليباند الذي فشل في خلافة بلير، فيما تخوض بريطانيا مفاوضات عسيرة مع الاتحاد الأوروبي قد تسبب انهيار اقتصادها. في هذا الوقت تقررت الحرب على الرفيق جيريمي لأن احتمال وصوله إلى رئاسة الوزراء لم يعد مستبعداً. وكما تستخدم إسرائيل المحرقة ذريعة للحروب على بلاد الشام واضطهاد الفلسطينيين وتبرير إبادتهم والاستيلاء على أرضهم، يستخدم منظمو الحملة تهمة اللاسامية لنبذ كوربن وتشويه صورته لدى الرأي العام باعتباره مناهضاً لليهود، وقد عاد الإعلام اليميني المتطرف والليبيرالي إلى تاريخ الرجل فنشر صورته مع قادة فلسطينيين في تونس عام 2014 وهو يشارك في ندوة لتكريم شهداء قضوا في الحروب الإسرائيلية، وإلى تصريحات له من عشرات السنين تؤيد حق الفلسطينيين في الدفاع عن أنفسهم ومطالبتهم بدولة مستقلة وبالعودة إلى مدنهم وقراهم. ولم ينس هؤلاء مشاركته في تظاهرات في لندن تأييداً لغزة واستنكاراً للحرب الإسرائيلية على لبنان عام 2006 فاتهموه بأنه يؤيد «حزب الله وحماس». وبدأوا تحركاً داخل صفوف الحزب لإطاحته، بعدما نجحوا في إطاحة عدد من مؤيديه، بينهم رئيس بلدية لندن السابق كين ليفينغسون. وأثاروا الرعب من إمكان وصوله إلى رئاسة الوزراء، ملوحين بالهجرة إلى إسرائيل خوفاً على حياتهم وممتلكاتهم.
تطرح هذه الحملة أسئلة كثيرة عن المسألة اليهودية في أوروبا فالقارة تشهد تحولات في الرأي العام، خصوصاً في الجامعات وأوساط المثقفين، لمصلحة القضية الفلسطينية (BDS) عكس التحولات في البلاد العربية ضد هذه المصلحة، وقد أصبح كوربن، بما له من تاريخ نضالي، أحد رموز هذه التحولات، من هنا وجب وصمه باللاسامية، فشباب الجامعات هم الذين سيتولون الحكم في المستقبل وسيكون لهم تأثير فاعل في سياسات الدول.
واستخدم في اتهام كوربن بمعاداة اليهود عدم إقرار حزبه «التعريف الدولي للاسامية» الذي تبنته الأمم المتحدة، وتفسير الصهاينة هذا التعريف بأنه يطاول كل من ينتقد إسرائيل التي أصبحت بتشريع من الكنيست دولة لـ «القومية اليهودية»، أي أن كل من ينتقد سياسات نتنياهو ومن سيخلفه عدو، فضلاً عن أن تحويل هذا الدين إلى قومية يطرح الكثير من علامات الاستفهام والإشكاليات، فهو الدين الوحيد الذي يوحد جماعات تعيش في بلدان وأقاليم متباعدة ولديها تواريخ وثقافات مختلفة لتبرير حقها في دولة- أمة ولو كانت على أنقاض شعب آخر عاش آلاف السنين فوق أرضه وجرى ويجري اقتلاعه منها بالقوة لاستقبال عنصريين تنبذهم بلدانهم أو لم يستطيعوا الإندماج فيها لأسباب كثيرة، ولا تجمعهم روابط اجتماعية أو تاريخية.
جيريمي كوربن يخوض معركته داخل حزبه وخارجه، معتمداً الحجج التاريخية والسياسة الواقعية، فهل ينجح في مواجهة هذه الحملة العاتية أم أن الأساطير الدينية ستنتصر مرة أخرى في قلب أوروبا العلمانية؟