رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
من هم المتوحشون؟


المشاهدات 1788
تاريخ الإضافة 2018/01/24 - 5:36 PM
آخر تحديث 2026/07/26 - 2:13 PM

[caption id="attachment_148526" align="alignnone" width="169"]سمير النفزي سمير النفزي[/caption] لعلّ ما وصلت إليه المدنيّة اليوم بمفهومها الحضاري الاِيجابي و ما ساهمت فيه كمسار فكري نظري و عملي من النّهوض بالإنسان من الحالة البدائيّة الأوّليّة المرتبطة بالطّبيعة و المنسجمة معها جعلنا كلّ ذلك نسلّم بأنّ هذه المدنيّة ما هي إلّا رفاه و فضيلة و عدل و اِنتصار و تحدّي للجهل و الخوف، غير أنّ المتأمّل في السّيرورة التّاريخيّة من داخل مقاربة فلسفيّة ذات بعد حقوقي لمفهوم المدنيّة و ظروف نشأتها يستجلي معارضة بين الأسس الّتي قامت عليها عند ظهورها تأسيسا لمبدأ التّمايز و التميّز عن الآخر لينتهي به المطاف اليوم في اِقتراب من مفهوم التّماثل مع الآخر. فعند قيام المدنيّة كمفهوم فلسفي تأسّس لها بناء و حدّد لها مسار و رسم لها أعداء و هم أساسا غير المتمدّنين أو المتوحّشون. لذا فإنّ قيام المدنيّة كمدلول فلسفي يستدعي بالضّرورة مقاومته لأعدائه لكي يسود و أهمّ عدوّ له هو التوحّش و الّذي حدّدت المدنيّة ملامحه، لذا فإنّ البحث الفلسفي في هذا المضمار يتطلّب بالضّرورة تتّبع المعايير الّتي على أساسها وقع التميّيز بين المتوحّش و المتمدّن، يلي ذلك التطرّق إلى إطار التوحّش هل هوّ حالة طبيعيّة؟ أم هوّ إطار اِخترعه الاِنسان ليسجن فيه الآخر المختلف؟ و من رحم هذه التّساؤلات يبرز سؤال جوهريّ هو: من هم المتوحّشون؟ يبدو للوهلة الأولى في طرح هذه الاِشكاليّة أنّ التّمييز بين المتوحّش و غيره ذو بعد اِحيائي مرتبط بالفيزيولوجيّة البشريّة الّتي تفرّق المتوحّش عن الغير متوحّش، غير أنّ المدقّق في المسألة يكتشف نوعا من الزّيف البلاغي المستعمل للنّعوت في توصيف المحيط الخارجي، لأنّ الاِنسان هو الّذي يعطي للأشياء معاني مشحونة بالذّاتيّة لا تتطابق تلك المعاني مع حقيقة الأشياء الّتي تسمّيها غير أنّ الفكرة الّتي تحملها نقوم بتعبئتها في المعاني اللّغويّة الّتي نستعملها، فلفظ المتوحّش حينما نطلقها على الطّبيعة الّتي لم يلمسها الاِنسان هيّ في حقيقة الأمر اِستنقاص من قيمتها طالما لم يتدخّل فيها الاِنسان رغم ما يوجد بها من اِنسجام في ظلّ غيابه و عدم تدخّله، لكن من هو هذا الاِنسان الّذي ينعت بالتوحّش كلّ غريب عنه أو كلّ ما ليس معه؟ و أيّ معايير يستعملها في تأصيل مفهوماته و مدلولاته؟ نستطيع أن نجد ملامح هذا الاِنسان خاصّة مع بداية عصر النّهضة في أوروبّا في القرن 15 و 16 و حتّى قبل ذلك زمن هيمنة الكنيسة و التّفسير البطريركي للكون و الحياة، حيث أنّ المسيحي الّذي رفعت كلّ خطاياه و افتداه المسيح بروحه هوّ الأطهر و هو المثال الرّاقي للأنسان كما أراده الربّ، هذا التوجّه و هذه العقيدة رسّخت مفهوم الأفضليّة لدى المسيحيّين و زوّدهم بمشاعر التفوّق على الغير الّذي بالنّسبة لهم هو ضالّ و لا يمتلك الايتيقا المسيحيّة المباركة من الربّ يسوع فهو بذلك لن ينال الملكوت، و هذا الموقف من الآخر غير المسيحي الّذي رسمه كعدو وجب امّا قتاله وإمّا اِيمانه، كانت الأرضيّة النّفسيّة الخصبة الّتي اِستعملت فيها العقلانيّة الأوروبيّة في القرن الثّامن عشر عند تقلّص نفوذ الكنيسة. و حلّ محلّ المعايير الدّينيّة و الأخلاقيّة معايير جديدة و هي المعيار الفكري و الثّقافي فحين بلور العقل الأوروبّي مفاهيمه السّياسيّة و الحقوقيّة، اِعتدّ بنفسه في هذا التمشّي و أصّل لمركزيّته في هذا العالم و اعتبر أنّ ما وصل اِليه العقل الأوروبّي و اِنتفع به الاِنسان الأوروبّي يميّزه عن غيره من البشر في ظلّ هذه الظّروف نشأ مفهوم المدنيّة الّذي يرتقي بالأوروبّي إلى مرتبة فوق بشريّة و أصبحت المدنيّة إلاها جديدا يسعى من أجله الجميع بعد أن فقد الدّين ألقه و بريقه القديم و بالتّالي فإنّ غير الأوروبّي أي غير العقلاني الّذي ما زال لم يغادر الطّبيعة الأولى هو غير متمدّن و هو متوحّش فالمتوحّش لم يطلقها غير الأوروبّي على نفسه بل ألصقها له العقل الأوروبّي الّذي لا يذكر هذا المعنى و لفقّه للمختلف معه رغم أنّ الحقيقة مخالفة لذلك تماما. و ربّما تتشابك العديد من المعايير الاخرى في تأسيس مفهوم المتوحّش على الغير الأوروبّي منها ما هو حضاري. إذا يعتبر الأوروبّي أنّ الآخر لم يستطع اِنجاز حضارة أو لم يؤسّس ثقافة أو سياسيّا لم ينتظم في الشّكل السّياسي الحديث للدّولة و لم يستطع تنظيم حياة المجموعة و مركزة السّلطة و اِضفاء معاني على الموجودات السّياسيّة من حوله كالسّيادة و المجال لذلك يعتبر الأوروبّي الّذي أسّس مفهوم الدّولة الّذي شرعن بواسطته القوانين، و الّذي لم يعرف بعد أهمّية الوعي و العقل و بالتّالي لم يتحرّر بعد من التّبعيّة للطّبيعة و هو ما يمهّد للذّهاب في الفكر المتطرّف المنغلق على ذاته و المبرّر لسلوكه إلى القول بأحقيّته في الوصاية على المتوحّش لتمدينه و تحريره و هو ما يعدّ تمهيدا لاستعماره و ذلك بمحاولة توسيع اِطار و مفهوم المتوحّش كما اِقترب هذا غير الأوروبّي من كسره، فما هي ملامح اِطار التوحّش؟

تابعنا على
تصميم وتطوير