رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
رواية ارابخا... جدلية الشكل والمضمون


المشاهدات 2221
تاريخ الإضافة 2018/01/23 - 5:27 PM
آخر تحديث 2026/08/25 - 8:13 PM

[caption id="attachment_148313" align="alignnone" width="177"]رواية ارابخا... جدلية الشكل والمضمون رواية ارابخا... جدلية الشكل والمضمون[/caption] الزوراء خاص/ الناقد / عبد الهادي الزعر ( أنت لم تخدع في الحرب فكيف خدعت في الحب ؟ ما عليك يا صديقي فأنا بدوى في الفطرة وعسكري في المهنة ) هذا المشهد الباذخ وهو يجسد عطيل في مسرحية شكسبير الخالدة - -أستهل به السمرمد روايته ارابخا و أرابخا هي ارانجا أو مدينة الذهب الأسود أو النار الأزلية وكلها تعنى كركوك - قرأت هذه الرواية بتلذذ ربما نسجت مشاهدها السردية وفق تقنيات عصرية مستقاة من تداعى الأفكار وتجاذبات الوعي واللاوعي الفوكنري حيث لا انتظام لمجرياتها وحوادثها تسأل عن شيء بينما الإجابة تتجه لشيء اّخر! وحتى أحداثها فأنها لا تنتمى لحقبة زمنية معينة وكأننا ننظر الى أفق مترامي بلا حدود - ولو أنه أستدرك بعض الأحداث كانكسار الجيش العراقي وخروجه مضطراً من الكويت كما ذكر وقائع حدثت هنا وهناك . ان من الخطأ الفادح أن يتعرى الفعل عن زمنه فلحظات الزمن هاربة لا يبقى منها سوى اّثار أفعالها ؟ فاللحظة تولد وتموت ولكنها تخلف لحظةً عقبها ! والرائي النابه يقتنص فحواها ثم يبعثها من جديد - أحالتني الصور المزدحمة الفاجعة والرقيقة المدونة في ارابخا الى تورجنيف الكاتب الروسي الحاذق ظلّ حالما قرابة الاربعين سنة يريد الوصول الى -- باولين فيادرو-- وهى مغنية فرنسية متزوجه ولكن ولهه وعشقه قاده لمرافئ دافئة، فهرب من الواقع الى الحلم لعله يحظى بها - في علم القص الحداثي متاح للمنشأ ان يحول الواقع الى فنتازيا وهذا النوع دأب عليه كتاب كثر في عالمنا العربي كمحمد زفزاف وواسيني الاعرج كما في الخبز الحافي وأولاد الشوارع لمحمد شكري وبعض شطحات حنه مينه، فالراحل عبد الستار ناصر جسده في روايتين قشور الباذنجان وعلى فراش الموز - فمن خلال التشكيل السردي يعرج القاص على أوضاع شبه شاذة نحياها مجبرين تجافي وعي الذات الكاتبة فليس المعول عليه هنا نقد الدولة ولعن ماسكي الدفة من الحكام ( الفسدة) بل تعميق وسائل الأدراك للحياة الصحيحة وصولاً لشاطئ أمان - ورب سائل يقول هل أرابخا رواية سيرية أم تاريخية أم ثقافية ؟ والاجابة هي للثلاثة معاً فهي ذات طابع مفتوح ما بين مدارس الفن مبتدئاً بأستاذه وليد شيت وصديقته ارابخا التي تحمل نفس الاسم و المولعة بالدمى وحين اقام معرضه الاول كتب على كل البطاقات الخمسمائة (يسعدني ان تكون الشخص الاول الذى ادعوه لمعرضي) تلك الكذبة البيضاء التي أعتدناها جلبت لنا شروراً لا تطاق - نسبح في جدول عذب وثيابنا على الضفة الثانية بكامل إتساخها - ص87 - تذكرت قول صديقي حين رأى شحاذا عراقيا يستجدى رغيفا من خباز قلت في نفسى : : ما أكثر المتسولين في بلاد النفط ان الجوامع في الشرق العربي لها رائحة جنسية فاضحة فالقبة تشبه الثدي والمئذنة تشبه العضو الذكرى - ص 113 - ليس من العدالة ان نرى حيوانات غير مؤذية خلف القضبان في حين نرى حيوانات فتاكة وهى حرة بلباس اّدمية؟ ( يمنعني النهر من عبوره - - كان عريض المنكبين ) ص 161 تلك بعض الشطحات ذكرتها على عجالة وغيرها الكثير؟ فمنذ التغيير ولحد الساعة أنصب اهتمام روائيينا على أرشفة الواقع فأخذ معظمهم دور المؤرخ السارد بسبب دسومة الأحداث وتلاحقها ( ان التظاهرات عمت المدينة كلها ولكن بالأخص تلك التي يسكنها الفقراء إذ يعتبرون الدين منقذاً لهم وكلاً منهم لبس لباس التدين شذب ذقنه وحمل مسبحته للتكفير عن ذنوبه ) ص57 ( العجلات محطمة على الجانبين ونحن سائرون على الاقدام من الخفجى الى سفوان رموا صفوف الرصاص واقنعة الوقاية والخوذ واشتركوا بالمارثون ) ص 61 يتحدد اسلوب رواية ما من خلال خطابها فأن لم تجتمع احداثها على اّصرة تحوى منذ العنونة على الاستهلال أو ما يعرف بثريا النص و بعدها عقدة ثم حل فأنها ستكون غنية وثرية بالأحداث والمشاويرالمتشابكة - لكن فى هذه الرواية الشيء مختلف تماماً أنها جدلية الشكل والمضمون فوجب علينا تذكر مقولة بارت ( كل شيء في الرواية له دلالة من الحرف الى الكلمة فالجملة ) فكلما تطورت الاشكال السردية تطور الوعي وهذا ما أنعكس تماماً على شعر النثر الذى أتخذه السمرمد في نهاية أو فاتحة كل موضوع - وجدت كقارئ ان ارابخا كمادة حكائية تقوم وفق معمار مختلف فلا نتائج تتوضح عن اسباب ! ولكنها أحداث وصور ومواقف معاشة ومتخيلة تتشعب وتشتبك وتتناسل وهذا ما تعارف عليه بالسرد المرسل؟ يلعب به الراوي أو الرواة أدواراً مختلفة كلاً على سجيته وهواه فلا توجيه للخطاب ولا حدود يمكن الرجوع اليها فوجهات النظر متعددة حرة لا تحكمها سلطة ولا يحدها مانع - ( نحن في عام 1993وبعد ربع قرن ستنتهى اتفاقية سايس بيكو التي استمرت مائة عام وسيكون بعدها اتفاقية اخرى اكثر ظلما وقساوة بل اكثر غموضا وستستمر مائة عام ايضا سنستقبلها ونشد على ايدى واضعيها ) ص159 بقى ان نعرف ان ارابخا سعد السمرمد التي امتدت على مدى 280 صفحة والتي اغتنت بالأفكار والطروحات والأحلام والمواقف احتدمت فيها الرؤى ؛ تباعدت تارة واقتربت تارة كانت كالمرايا المحدبة والمقعرة تدنو وتنأى وتحب وتبغض وتعلن وتضمر وتسمو وتنهار أوجزها في رحلة طائرة أمدها أربع ساعات وبعض الدقائق وهذا الفيض السردي الممتع ينم عن تجربة ثرية مبدعة .

تابعنا على
تصميم وتطوير