رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
إسرائيل والعراق بين التوراتية والواقعية


المشاهدات 1398
تاريخ الإضافة 2015/01/06 - 7:19 PM
آخر تحديث 2022/08/06 - 8:30 PM

[caption id="attachment_421" align="alignnone" width="94"]حسين حافظ باحث عراقي حسين حافظ باحث عراقي[/caption] هل تحكم الرؤية التوراتية التاريخية النظرة الصهيونية للعراق؟ تلك النظرة التي تجذرت فيها صلابة الشخصية العراقية وقوتها بل وقسوتها إزاء الخبث الصهيوني، وهل يمكن للظروف التي مكّنت الولايات المتحدة من فرض الوجود الصهيوني في العراق كأمر واقع، ومن ثم توظيف “داعش” وتمدده في الأرض العراقية بشكل غير مسبوق أن تعمق الرؤية الصهيونية إزاء العراق؟ تلك هي علة هذه المقالة في البحث والتقصي. ثمة ضرورة لاستدعاء الماضي وأخرى استحضار لحوادثه التاريخية، ومن ثم محاكمة حيثياته وإسقاطاتها على الحاضر المعاش، وتبدو الضرورة أكثر نجاعة حين تعبر عن براعة الألم ليس في حجم المأساة واتساعها، بل في عمقها وقسوتها، فمنذ أكثر من ثمانية قرون شاب تاريخ العراق بل وتكررت فيه هجمات دموية بربرية قاسية، كانت ملامحها المتشابهة جثثاً متناثرة هنا وهناك، وخراباً بائناً في كل شيء، والأكثر حزناً فيها اليوم هي أن تلك قد حدثت في زمن غابر كان للهمجية الإنسانية فيه سهم واضح، إلا أن الأكثر ألماً اليوم هي أنها تحدث في زمن أنضج العقل الإنساني فيه كل شيء وأبدع في كل شيء دافعاً بالشخصية الإنسانية إلى ميادين أكثر تقدماً في الحضارة والمدنية والإخاء على حد سواء، لكن هجمات التتار الجدد هي ذاتها التي حدثت قبل أكثر من ثمانية قرون، فهي اليوم الأكثر براعة في حجم الألم وشراسته والأكثر بربرية، إذ لم تترك وسيلة لامتهان الكرامة الإنسانية إلا واستخدمت، وأمعنت في الحط من القيمة الإنسانية . قد تختلف دوافع الهجمتين البربريتين وأهدافهما، إلا أن الدمار هو ذاته وتلك الدوافع لا تبتعد عن حيثيات أيديولوجيات مختلفة في الرؤى إلا أنها متطابقة في النتائج التدميرية . الأيديولوجية الصهيونية التخريبية هي ذاتها التي ترتكن إلى جذور تاريخية موغلة في الحقد تتجاوز الأطماع النفطية ومخاوف الوجود إلى ما ترنو إليه من تحقيق الحلم التوراتي التدميري الذي لطالما تغنت به وهو (دولة “إسرائيل” الكبرى من النيل إلى الفرات)، تستهدف فيه أمن دولتين عربيتين هما (مصر والعراق) وما جاورهما من أرض الشام. “مملكة الرب” أو حلم “داعش” الجديد، هو ذاته الحلم الذي لاتزال تحفره “إسرائيل” في ذاكرتها التاريخية وتظل متمسكة فيه في راهن الأيام، سعياً وتوظيفاً لكل عوامل القوة في العالم المعاصر، يساندها فيه قادة كبار من الصهاينة الجدد أمثال بوش الابن وتجلياته الإلهية، فهو قبل غزوه العراق كان يردد على الدوام في ذلك الوقت مقولة نشرتها “نيوزيورك” في أسبوعيتها المعروفه وتحت عنوان بوش والرب “إذا كان على المرء أن يرتاح ضميره، فأنا مرتاح الضمير بهذا الشأن” والشأن هنا هو احتلال العراق وتدميره . في تجليات الرؤية اللاهوتية “البوشية” تجليات لفكر اليمين الأمريكي المتطرف وأقطابه الأساسيين من محافظيه الجدد، فبوش الابن لا ينظر لنفسه سوى مؤمن مخلّص ينفذ تعاليم الرب التي جاءت في سفر الرؤيا وفي مقدمها حديث عن سقوط بابل، إذ يذكر الإصحاح 18 “أن ملاكاً آخر نزل من السماء وصرخ بشدة بصوت عظيم قائلاً سقطت سقطت بابل العظيمة” وتكرار العبارة سقطت سقطت يدلنا على أن هناك نوعين من السقوط ينتظر بابل، سقوط ديني كما ورد في الإصحاح 17 ثم سقوط مدني معماري وملاشاة من الوجود في إصحاح 18 . وتستطرد الرؤيا التوراتية القول، صارت بابل مسكناً للشياطين ومحرساً لكل روح نجس ومحرساً لكل طائر نجس وممقوت، وفي هذه الرؤيا نجد بداية لبابل مثلما نجد دينونتها النهائية، وهو ما تفعله الصهيونية “الداعشية” اليوم في العراق . تجليات الرؤية الصهيونية ليست فقط في الجانب التوراتي بل في الجانب التاريخي المتجذر في الذاكرة الصهيونية تجاه العراق، إذ يستند إلى وقائع تمتد جذورها إلى الحضارة العراقية القديمة، ويرتبط بما يسمى بالسبي البابلي لليهود على أيدي القائد البابلي نبوخذ نصر، وتلك هي العقدة في الرؤية التاريخية للصهيونية العالمية إزاء العراق . ورغم كل عوامل الرفض الداخلي لفكرة مملكة الرب “الإسرائيلية” حيث الرفض قائم على فرضية أن على “الإسرائيليين” نسيان حلم “إسرائيل الكبرى” أو أيديولوجية “إسرائيل الكبرى”، إلا أن جهابذة “إسرائيل” مازالوا متمسكين بها بدءاً بسياستهم التوسعية في الأراضي الفلسطينية وصولاً إلى الأهداف الاستراتيجية المتمثلة برؤية شمعون بيريز حول فكرة السيطرة الاقتصادية الصهيونية على الشرق الأوسط بديلاً عن احتلاله والتي يجري تنفيذ مقدمات لتلك السيطرة في الوقت الراهن تتجلى في محاولة تدمير العراق بوسطاء محليين وربما يكون تنظيم “داعش” بأهدافه التدميرية هو أحد أبرز مقدمات تنفيذ ذلك الهدف، والذي يتجلى في معطيات يمكن الإشارة إليها، من أن المناطق التي يحررها البيشمركة من سيطرة “داعش” تعود كغنائم إلى الإقليم وليس للدولة العراقية! تلعفر وسنجار وقبلهما كركوك وجلولاء والسعدية . الرؤية التوراتية لا تجعل من مياه الفرات والنيل هدفاً استراتيجياً بعينه بل موارد الحياة الأخرى التي يزدهر بها العراق، لكن الحلم يبقى حلماً طالما أنه يرتبط بتوراتية صهيونية غارقة في الضلالة والتيه .

تابعنا على
تصميم وتطوير