رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
حكاية رياضة تبحث عن الطريق


المشاهدات 1129
تاريخ الإضافة 2026/11/07 - 9:46 PM
آخر تحديث 2026/11/08 - 6:46 PM

لم يكن إغلاق بعض الطرق وما خلّفه من زحام مروري وإرباك كبير في حركة السير، مجرد مشهد يومي عابر أشاهده يوميًا وأنا في طريقي إلى العمل، بل أعاد إلى ذاكرتي أيام اغترابي في مملكة السويد، حين كنت أعتمد على شبكة المترو في تنقلاتي بين مكان وآخر، بعيداً عن اختناقات الطرق ومشقة الانتظار .
هناك، لم يكن المترو مجرد وسيلة نقل، بل منظومة متكاملة تقوم على التخطيط والانضباط والكفاءة واحترام وقت الإنسان وكرامته. ومن هذه الذكرى، وجدتني أعقد مقاربة بين عالم المترو والرياضة، وتحديداً واقع رياضتنا العراقية، فالأمر لا يتعلق بوسيلة نقل أو منشأة رياضية فحسب، بل بطريقة التفكير والإدارة والتعامل مع الإمكانات والموارد البشرية.
فـ المترو الحديث والنظيف والمنظم يشبه إلى حد كبير الملاعب الأوروبية التي لم تعد مجرد مساحات لاحتضان المباريات، بل تحولت إلى مؤسسات متكاملة تقدم تجربة رياضية وترفيهية وإنسانية للجمهور تبدأ الرحلة بالحصول على التذكرة إلكترونياً، مروراً ببوابات الدخول المنظمة، وصولاً إلى مقعد مريح وخدمات متكاملة تحفظ للمشجع وقته وكرامته.
وهنا تكمن المقارنة مع واقع كثير من منشآتنا الرياضية ، فالمشكلة ليست دائماً في نقص الملاعب أو المنشآت، وإنما في غياب الرؤية التي تنقلها من مجرد أبنية تُستهلك موازناتها إلى مؤسسات اقتصادية واستثمارية قادرة على تمويل نفسها وتطوير خدماتها. فالملعب الناجح لا يُقاس بعدد المباريات التي يستضيفها فقط، بل بقدرته على تحقيق الإيرادات، وجذب الجمهور، وتوفير تجربة تليق به.
أما المقاربة الثانية، فهي أكثر ارتباطاً بالعنصر البشري، وتحديداً اللاعب المحترف. فالمترو السريع والقوي لا يفقد كفاءته لمجرد مرور السنوات، ما دام يخضع للصيانة والتحديث وتتوفر له منظومة تشغيل سليمة ، وكذا الحال بالنسبة الى اللاعب الأوربي الذي يصل في كثير من الأحيان إلى قمة نضجه الفني والبدني ما بين سن الثامنة والعشرين والثانية والثلاثين، وقد يستمر في العطاء بمستويات عالية لسنوات أخرى.
بالمقابل، ما زلنا في رياضتنا المحلية نتعامل مع اللاعب بمنطق مختلف فما إن يبلغ الثامنة والعشرين أو الثانية والثلاثين حتى تبدأ بعض الأصوات بوصفه باللاعب الكبير، والأكثر  إيلاماً أن هذا الحكم لا يستند دائماً إلى معايير فنية أو بدنية أو إحصائية، بل إلى ثقافة سائدة تختزل تقييم اللاعب بعمره، بدلاً من قياس قدرته على العطاء. وهنا لا بد من التأكيد أن التجارب الأوروبية لا تعني أن كل لاعب يجب أن يستمر حتى الأربعين، وإنما تعني أن قرار الاستمرار أو الاعتزال ينبغي أن تحسمه الكفاءة والجاهزية والعطاء، لا الأحكام المسبقة.
رياضتنا العراقية لا ينقصها التاريخ ولا المواهب ولا الشغف الجماهيري، لكنها بحاجة إلى الانتقال من ثقافة إدارة الحدث إلى ثقافة إدارة المنظومة، ومن التعامل مع المنشآت بوصفها أعباءً مالية إلى اعتبارها أصولاً اقتصادية، ومن استهلاك اللاعبين إلى الاستثمار في أعمارهم الرياضية وقدراتهم.
فالرياضة لا تتعطل لأن الطريق مزدحم، بل لأنها أحياناً تسير في الاتجاه الخطأ، وما تحتاجه ليس مزيداً من المحطات، بل منظومة تعرف كيف تصل إلى وجهتها.
 


تابعنا على
تصميم وتطوير