رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
العصر الرقمي .. هل يصنع قادة أم سياسيين يلاحقون الرأي العام ؟!


المشاهدات 1123
تاريخ الإضافة 2026/11/02 - 12:44 AM
آخر تحديث 2026/11/02 - 12:23 PM


في صيف سنة 2022، صدر في أمريكا كتاب جديد لهنري كيسنجر. وكان كيسنجر يومها في التاسعة والتسعين من عمره.
رجل عاش القرن العشرين كله تقريباً. هرب طفلاً من ألمانيا النازية، وحارب في الحرب العالمية الثانية جندياً أمريكياً، وصار أستاذاً في هارفارد، ثم مستشاراً للأمن القومي، ثم وزيراً للخارجية. جلس مع ماو تسي تونغ في بكين، ومع بريجنيف في موسكو، ومع السادات في أسوان، ومع غولدا مائير في القدس. وصار اسمه وحده عنواناً لعصر كامل.
وفي آخر عمره، كتب عن ستة قادة عرفهم، وعمل مع أكثرهم، ورأى فيهم ما يسميه «القيادة».
ويبدأ الكتاب بجملة يقول فيها ما معناه: كل مجتمع، مهما كان نظامه السياسي، في رحلة دائمة بين ماضٍ يصنع ذاكرته، ومستقبل يلهمه. والقيادة هي ما يقود المجتمع في هذه الرحلة.
* تقاطع المحورين
ثم يضع كيسنجر الفكرة التي يبني عليها كتابه كله.
يقول إن القادة يفكرون ويعملون عند تقاطع محورين. المحور الأول بين الماضي والمستقبل. والمحور الثاني بين القيم الثابتة وطموحات الناس الذين يقودونهم.
فالقائد لا يستطيع أن يتجاهل تاريخ أمته، ولا يستطيع أن يبقى أسيراً له. ولا يستطيع أن يتخلى عن القيم، ولا يستطيع أن يفرضها على شعب لا يريدها. فهو دائماً في المنتصف، يشد ويرخي.
ثم يفرّق كيسنجر بين نوعين من القادة.
رجل الدولة، الذي يعرف حدود الممكن، ويعمل داخلها بحكمة، ويحافظ على التوازن. والنبي، أو صاحب الرؤية، الذي يرفض الحدود، ويريد أن يغير العالم كله دفعة واحدة.
ويقول إن رجل الدولة يحفظ العالم، والنبي يغيّره. والأول قد يقع في الجمود، والثاني قد يقع في الكارثة. وأعظم القادة من جمع شيئاً من الاثنين.
* أديناور: استراتيجية التواضع
أول الستة كونراد أديناور، مستشار ألمانيا الغربية.
تولى الحكم سنة 1949، وهو في الثالثة والسبعين، في بلد خرج من الحرب مهزوماً، مقسوماً، مدمراً، يحمل عار النازية أمام العالم كله.
ويسمي كيسنجر طريقته «استراتيجية التواضع». فأديناور لم يحاول أن يعيد لألمانيا مجدها بالقوة. بل قبل الهزيمة، وقبل حتى تقسيم بلده مؤقتاً. وربط ألمانيا الغربية بالغرب: بأمريكا، وبفرنسا عدوتها القديمة، وبحلف الأطلسي. وصالح فرنسا بعد قرون من الحروب.
فأعاد بناء بلده لا بالمطالبة، بل بالصبر. واستعاد لها احترام العالم شيئاً فشيئاً.
* ديغول: استراتيجية الإرادة
ثم شارل ديغول.
في يونيو 1940، سقطت فرنسا أمام ألمانيا في أسابيع. وكان ديغول جنرالاً مغموراً، هرب إلى لندن. ووقف أمام ميكروفون الإذاعة البريطانية، وقال للفرنسيين: إن فرنسا لم تخسر الحرب. خسرت معركة.
رجل وحده، بلا جيش ولا دولة، قرر أنه هو فرنسا.
ويسمي كيسنجر طريقته «استراتيجية الإرادة». فديغول صنع من إرادته وحدها دولة، وأقنع الحلفاء بأن يعاملوا فرنسا المهزومة كأنها منتصرة.
ثم عاد إلى الحكم سنة 1958، وأسس الجمهورية الخامسة. واتخذ القرار الأصعب في حياته: إنهاء حرب الجزائر، والاعتراف باستقلالها سنة 1962، رغم غضب الجيش والمستوطنين، ورغم محاولات اغتياله.
*نيكسون: استراتيجية التوازن
ثم ريتشارد نيكسون، الرئيس الذي عمل معه كيسنجر.
ويسمي كيسنجر طريقته «استراتيجية التوازن». فنيكسون، كما يراه، فهم أن أمريكا لا تستطيع أن تحكم العالم وحدها. فبحث عن توازن بين القوى الكبرى.
ففتح الطريق إلى الصين سنة 1972، بعد عقود من القطيعة. وخفف التوتر مع الاتحاد السوفيتي. وأنهى التدخل الأمريكي في فيتنام. وأدار أزمة حرب 1973 في الشرق الأوسط.
ثم سقط نيكسون في فضيحة ووترغيت، واستقال سنة 1974. ويدافع كيسنجر عن سياسته الخارجية، ويرى أن الفضيحة الداخلية ظلمت إنجازاته في العالم.
* السادات: استراتيجية التجاوز
ثم أنور السادات. ولعله الفصل الذي يهم القارئ العربي أكثر من غيره.
ويسمي كيسنجر طريقته «استراتيجية التجاوز». أي تجاوز الحدود التي كان الجميع يظنها ثابتة.
فالسادات، كما يحكي كيسنجر، طرد الخبراء السوفييت من مصر سنة 1972، فأدهش الجميع. ثم شن حرب أكتوبر 1973، وعبر الجيش المصري قناة السويس، فكسر صورة الجيش الذي لا يُهزم. ثم استعمل هذا الانتصار لا ليواصل الحرب، بل ليبدأ التفاوض.
ثم زار القدس في نوفمبر 1977، وخطب في الكنيست. ثم وقّع اتفاقيات كامب ديفيد سنة 1978، ومعاهدة السلام سنة 1979. واستعاد سيناء.
ويكتب كيسنجر عن السادات بإعجاب واضح، ويراه من أكثر القادة الذين عرفهم شجاعة ورؤية. ويرى أن الرجل نظر إلى أبعد مما نظر إليه معاصروه، ولم يفهم لماذا اغتالوه، فهو العربي الوحيد الذي دخل حرب وانتصر.
* لي كوان يو: استراتيجية التميز
ثم لي كوان يو، مؤسس سنغافورة الحديثة.
جزيرة صغيرة، بلا موارد، بلا جيش، بلا ماء كافٍ، طُردت من الاتحاد الماليزي سنة 1965. وبكى لي كوان يو على التلفاز يوم الانفصال، لأنه لم يكن يعرف كيف ستعيش.
ويسمي كيسنجر طريقته «استراتيجية التميز». فلي كوان يو حوّل سنغافورة، في جيل واحد، من ميناء فقير إلى واحدة من أغنى دول العالم وأنظفها وأكفئها. بالتعليم، وبمحاربة الفساد، وباختيار الأكفأ للمناصب. ويُعجب كيسنجر به إعجاباً كبيراً. وإن كان منتقدوه يذكرون أنه حكم بقبضة قوية، وضيّق على الصحافة والمعارضة.
*تاتشر: استراتيجية القناعة
وآخر الستة مارغريت تاتشر، رئيسة وزراء بريطانيا.
جاءت سنة 1979، وبريطانيا في أزمة اقتصادية، والإضرابات تشل البلاد، والناس يتحدثون عن «رجل أوروبا المريض».
ويسمي كيسنجر طريقتها «استراتيجية القناعة». فتاتشر كانت مقتنعة بأفكارها إلى حد لا يقبل المساومة. فغيّرت الاقتصاد البريطاني، وواجهت النقابات. وحين استعادت الأرجنتين جزر فوكلاند سنة 1982، أرسلت الأسطول وحاربت. ووقفت مع ريغان في وجه الاتحاد السوفيتي، ثم كانت من أوائل من قالوا عن غورباتشوف إنه رجل يمكن التعامل معه.
ويذكر منتقدوها أن سياساتها زادت الفجوة بين الأغنياء والفقراء، وقست على عمال المناجم.
* عالم بلا قادة؟
وفي آخر الكتاب، يكتب كيسنجر فصلاً حزيناً.
يقول ما معناه إن هؤلاء القادة الستة تربوا في زمن كان التعليم فيه يقوم على القراءة العميقة، والتاريخ، والفلسفة، والأدب. وكانوا يقرؤون الكتب الطويلة، ويفكرون طويلاً.
ويخشى أن العصر الرقمي، بسرعته وشاشاته ومعلوماته المتقطعة، لا يصنع قادة من هذا النوع. وأن السياسيين اليوم يلاحقون الرأي العام لحظة بلحظة، بدل أن يقودوه.
*كيسنجر
وُلد هنري كيسنجر في السابع والعشرين من مايو سنة 1923، في مدينة فورث الألمانية، لأسرة يهودية. وكان أبوه مدرساً. ولما اشتد الاضطهاد النازي، هربت الأسرة إلى نيويورك سنة 1938، وهو في الخامسة عشرة.
وعمل في مصنع وهو طالب، ثم جُنّد في الحرب العالمية الثانية، وعاد إلى ألمانيا جندياً في الجيش الأمريكي. ثم درس في هارفارد، وصار أستاذاً فيها.
وفي سنة 1969 صار مستشاراً للأمن القومي للرئيس نيكسون، ثم وزيراً للخارجية من 1973 إلى 1977.
ونال جائزة نوبل للسلام سنة 1973، مع الفيتنامي لي دوك ثو، لمفاوضات إنهاء حرب فيتنام. ورفض لي دوك ثو الجائزة، لأن الحرب لم تكن قد انتهت. واستقال عضوان من لجنة الجائزة احتجاجاً.
وكان كيسنجر من أكثر رجال السياسة إعجاباً وكراهية في الوقت نفسه. فمؤيدوه يرونه أعظم دبلوماسي في عصره. ومنتقدوه يحمّلونه مسؤولية قصف كمبوديا، ودعم الانقلاب العسكري في تشيلي سنة 1973، والسكوت عن مذابح في أماكن أخرى. وفي العالم العربي، يتذكر كثيرون دوره في الجسر الجوي الأمريكي في حرب 1973، ثم في سياسة «الخطوة خطوة» التي يرون أنها فرّقت الصف العربي.
ومات في التاسع والعشرين من نوفمبر سنة 2023، بعد أن أتم مئة عام.
* ما بين السطور
خلف هذا الكتاب، أشياء لم يقلها كيسنجر صراحة.
أولها أنه يكتب عن نفسه. فكيسنجر عرف هؤلاء الستة، وعمل مع نيكسون وفاوض السادات بنفسه. فالكتاب، تحت دراسة القادة، مذكرات خفية لرجل كان في الغرفة. وحين يدافع عن نيكسون، يدافع عن سياسة كان هو مهندسها. وحين يمدح السادات، يمدح السلام الذي صنعه هو في رحلاته المكوكية.
وثانيها الاختيار. فالقادة الستة كلهم عملوا في ظل التحالف الغربي، أو انتقلوا إليه. فأديناور ربط ألمانيا بأمريكا، والسادات انتقل من المعسكر السوفيتي إلى الأمريكي، ولي كوان يو اختار الغرب في آسيا. فالكتاب يقيس القيادة، دون أن يقول، بمقياس واحد: من بنى نظاماً عالمياً كانت أمريكا في قلبه.
وثالثها الغائبون. فالكتاب عن الاستراتيجية، والاستراتيجية تُرى من مكاتب الحكام. لكنه قليلاً ما يتكلم عن الشعوب التي دفعت ثمن هذه الاستراتيجيات. ففي فصل نيكسون لا مكان كبيراً لكمبوديا، فالقيادة في الكتاب قيادة من فوق.
ورابعها الطفل اللاجئ. فكيسنجر رأى في طفولته نظاماً كاملاً ينهار، وجمهورية ديمقراطية تتحول إلى دولة نازية. ورأى أهله يفقدون كل شيء. ولهذا كان هوسه طوال عمره بالنظام والتوازن والاستقرار. فهو يخاف الفوضى أكثر مما يحب العدل. وهذا يفسر كثيراً من إعجابه برجال الدولة، وحذره من الأنبياء.

وخامسها الوداع. فالفصل الأخير عن انحدار القيادة في العصر الرقمي، كتبه رجل في التاسعة والتسعين، يرى أن العالم الذي يعرفه انتهى. فالكتاب، في عمقه، رسالة وداع، ونقد خفي لقادة اليوم، دون أن يسمي أحداً منهم.
* البؤرة: عند تقاطع المحورين
إذا أردت أن تحمل الكتاب كله في صورة واحدة، فاحمل صورة كيسنجر نفسه: القائد واقف عند تقاطع طريقين. طريق بين الماضي والمستقبل، وطريق بين القيم وطموحات الناس.
فكل واحد من الستة وقف في هذا المكان، واختار طريقته. أديناور اختار التواضع، فقبل الماضي ليبني المستقبل. وديغول اختار الإرادة، فصنع دولة من كلمة. ونيكسون اختار التوازن بين القوى. والسادات اختار التجاوز، فكسر ما ظنه الناس ثابتاً. ولي كوان يو اختار التميز، فبنى دولة من لا شيء. وتاتشر اختارت القناعة، فلم تتنازل.
فاقرأ الكتاب لا على أنه وصفة للقيادة، بل على أنه درس في الاختيار عند المفترق. ولا تقرأه على أنه حكم نهائي على هؤلاء الستة، فهو حكم رجل كان شريكاً في بعض ما صنعوا، وله رأيه وانحيازه.
والسؤال الذي يتركك معه: إذا وقفتَ أنت عند هذا المفترق، في بيتك أو عملك أو بلدك، فبأي استراتيجية ستختار؟
* كلمة أخيرة
كتب كيسنجر «القيادة» ليقول إن التاريخ لا تصنعه القوى الكبرى وحدها، بل يصنعه أفراد في لحظات حاسمة. رجل أو امرأة يقف عند المفترق، فيختار.
وهذا درس صحيح، وإن اختلفنا مع كيسنجر في كثير مما فعل، وفي بعض من مدح. فالقيادة، كما يراها، ليست منصباً، بل قدرة على أن ترى أبعد مما يرى الناس، وأن تحتمل وحدة القرار، وأن تدفع ثمنه.
لكن القارئ الحكيم يضيف ما لم يقله كيسنجر: أن القيادة تُقاس أيضاً بما يدفعه الناس العاديون ثمناً لها. وأن الاستراتيجية التي لا ترى إلا الدول، قد تنسى البشر.
 


تابعنا على
تصميم وتطوير