
في عوالم الفن التشكيلي تتعدد التجارب وتتباين الرؤى والأساليب لكن الفنان الحقيقي هو من يستطيع أن يصنع لنفسه هوية بصرية تحمل ملامح روحه وذاكرته وانحيازه للجمال. ومن بين التجارب العراقية التي اختارت طريقاً خاصاً في التعبير الفني تبرز تجربة الفنان التشكيلي والرسام والنحات رحيم السيد حمود الذي بدأت علاقته بالفن منذ طفولته الأولى حين كان يشكل من الطين عوالم صغيرة مستوحاة من البيئة الشعبية المحيطة به قبل أن تتحول تلك الهواية إلى مشروع إبداعي نضج بالدراسة والممارسة والتجريب.
ينتمي رحيم السيد إلى المدرسة السريالية والرمزية ويتميز باشتغاله على القلم الجاف بوصفه أداة فنية قادرة على إنتاج عوالم تشكيلية غنية بالتفاصيل والدلالات. كما أسهم في تأسيس مؤسسة هواجس للثقافة والفنون التي تحولت إلى مساحة للتواصل بين الفنانين والمبدعين في مختلف المحافظات العراقية.
في هذا الحوار نتوقف معه عند البدايات ومحطات التكوين وأسرار تجربته الفنية وعلاقته بالموروث الشعبي والموسيقى والشعر ومشروعاته المقبلة.
البدايات الأولى.. حين تحدث الطين قبل الفرشاة
ــ أستاذ رحيم السيد حمود متى بدأت علاقتك بالفن التشكيلي؟ وهل تتذكر البدايات الأولى التي سبقت اكتشافك لموهبتك؟
ــ بدأت علاقتي بالفن منذ الطفولة وقبل أن أعرف معنى الفن أو أنني يمكن أن أصبح رساماً أو نحاتاً. كنت ألعب بالطين وأصنع منه أشكال الحيوانات والسيارات والأشياء التي أشاهدها في حياتي اليومية. كنت أمارس ذلك بعفوية شديدة ومن دون أن أدرك أن هذه الألعاب البسيطة ستكون بداية طريق طويل في عالم الفن.
ــ هل كان المحيط العائلي يشجعك على مواصلة هذه الهواية؟
ــ بالتأكيد. أتذكر أن أخي الأكبر كان يشجعني ويجلب لي الطين ويطلب مني أن أصنع منه أشكالاً مختلفة. وكانت والدتي وأفراد عائلتي يعجبون بما أنجزه وهذا التشجيع كان يدفعني إلى المحاولة من جديد. كما أتذكر أنني كنت أرسم بعض المشاهد الشعبية مثل الباعة وعربات الخضار والأسواق التي عشت تفاصيلها في مدينة الشعلة. كانت البيئة الشعبية مدرستي الأولى ومصدراً مهماً لخيالي.
ــ هل تتذكر أول تجربة شعرت فيها بأن الرسم أصبح موهبة حقيقية لديك؟
ــ أتذكر أيام الدراسة الابتدائية حين بدأت أستخدم القلم وأرسم الوجوه والعيون وبعض المشاهد. وفي الصف الرابع الابتدائي كنا نُكلف بإعداد نشرات مدرسية تتعلق بالدروس والعلوم المختلفة. كنت أتولى تصميم النشرات ورسم الدوائر والأشكال والرموز وتنسيق الصور. هذه التجربة جعلتني أشعر بأنني أمتلك قدرة على التصميم والرسم وشجعتني على تطوير نفسي.
المراكز الشبابية.. مدرسة لاكتشاف المواهب
ــ تحدثت عن البيئة الشعبية وعن دور المدرسة في اكتشاف موهبتك. ماذا عن المراكز الشبابية التي كانت حاضرة في سبعينيات القرن الماضي؟
ــ كانت المراكز الشبابية ذات أهمية كبيرة في تنمية مواهب الشباب. فقد أتاحت لنا فرصة تعلم الفنون والموسيقى وممارسة الأنشطة المختلفة بإشراف أساتذة وفنانين ومن دون تكاليف كبيرة. وقد تعرفت من خلالها على تجارب مهمة وأسهمت في بناء شخصيتي الفنية والاجتماعية. وأعتقد أن إعادة تفعيل هذه المراكز اليوم ضرورة لاكتشاف المواهب ورعايتها.
ــ وماذا عن انتقالك من الرسم البسيط إلى استخدام الألوان والأقلام الخشبية؟
ــ بدأت بالقلم الرصاص ثم انتقلت إلى الأقلام الملونة. كنت أجرب الألوان وأبحث عن كيفية توظيفها في رسم الوجوه والمشاهد الإنسانية. لم تكن لدي آنذاك معرفة أكاديمية بالتقنيات الفنية لكنني كنت أتعلم من التجربة وأحاول أن أطور عملي باستمرار.
رحلة الدراسة.. حلم تأخر لكنه لم ينطفئ
ــ يبدو أن الطريق إلى الدراسة الأكاديمية لم يكن سهلاً. كيف تجاوزت العقبات التي واجهتك؟
ــ واجهتني صعوبات كثيرة. حاولت الالتحاق بمعهد الفنون الجميلة لكنني لم أُقبل بسبب فارق العمر. وكان ذلك مؤلماً بالنسبة لي لأنني كنت أحلم بالدراسة الفنية. لذلك أكملت دراستي في الإعدادية الصناعية وتخصصت في الكهرباء وعملت فني كهرباء. لكن الرسم ظل حاضراً في حياتي ولم أتخلَّ عنه.
ــ كيف عدت إلى حلمك القديم والتحقت بكلية الفنون الجميلة؟
ــ عندما فُتحت الدراسة المسائية أمام خريجي الإعداديات المهنية عام 1999 شعرت أن الفرصة التي انتظرتها طويلاً قد جاءت. تقدمت إلى كلية الفنون الجميلة واجتزت الاختبارات وقُبلت في قسم الفنون التشكيلية. كانت لحظة مهمة في حياتي لأنني شعرت أنني استعدت حلماً لم أسمح له أن يموت. درست على أيدي أساتذة وفنانين تركوا أثراً في تكويني الفني وتخرجت عام 2003.
ــ هل ساعدتك مهنتك السابقة في تطوير حسك الفني؟
ــ نعم. عملي في مجال الكهرباء منحني خبرة في التعامل مع التفاصيل والدقة والتنسيق. وأتذكر أنني كنت أعمل في تأسيسات إحدى قاعات كلية ابن الهيثم وكنت أضيف بعض اللمسات والزخارف إلى العمل. فقد وجدت أن الذائقة الفنية لا تنفصل عن أي مهنة يمارسها الإنسان.
السريالية والرمزية.. البحث عن لغة خاصة
ــ متى بدأت تشعر بأن تجربتك الفنية أصبحت تمتلك هوية خاصة؟
ــ أعتقد أن الأمر بدأ يتضح أكثر بعد عودتي إلى الفن وإقامة معارضي الشخصية. كنت أميل بصورة طبيعية إلى المدرسة السريالية والرمزية حتى قبل أن أتعرف إلى مسمياتها الأكاديمية. وعندما عرضت أعمالي على بعض الأساتذة أشاروا إلى أن أسلوبي يحمل ملامح سريالية واضحة. عندها بدأت أفهم بصورة أعمق طبيعة الاتجاه الذي أعمل فيه.
ــ ما الذي يجذبك إلى المدرسة السريالية والرمزية؟
ــ أحب أن أقدم الفكرة بطريقة غير مباشرة. فاللوحة بالنسبة لي ليست مجرد نقل لمشهد واقعي وإنما مساحة للتأمل والتعبير عن الإنسان والحياة وما يختبئ خلف المظاهر. أحب أن أختزل الفكرة وأمنح المشاهد فرصة للتفكير واكتشاف المعنى.
ــ هل يمكن أن تذكر لنا مثالاً على توظيف الرمز في أعمالك؟
ــ أتذكر إحدى اللوحات التي استلهمت فكرتها من مشهد تمثيلي قديم عن امرأة جنوبية وشخصية توصي من حولها بأن الإنسان حين يغادر الدنيا لا يأخذ معه شيئاً. تخيلت رجلاً يخرج من قبره ويداه فارغتان تعبيراً عن حقيقة أن الإنسان مهما امتلك فإن نهايته لا تحمل معه شيئاً من متاع الدنيا. كانت الفكرة حاضرة في ذهني ثم وجدت صورة بصرية ساعدتني على تنفيذها.
القلم الجاف.. أداة صنعت خصوصية التجربة
ــ اشتهرت بتجربتك في الرسم بالقلم الجاف. كيف بدأت هذه المغامرة الفنية؟
ــ خلال دراستي في كلية الفنون الجميلة شاهدت بعض الزملاء يستخدمون القلم الجاف في التخطيط والرسم. أعجبتني الفكرة وبدأت أجربها حتى أصبحت جزءاً أساسياً من تجربتي. ومع الوقت وجدت أن القلم الجاف يمنحني إمكانات واسعة في بناء التفاصيل والظلال والتكوينات السريالية والرمزية.
ــ كيف استطعت أن تحول أداة بسيطة مثل القلم الجاف إلى وسيلة لإنجاز لوحات تشكيلية كبيرة؟
ــ المسألة تحتاج إلى صبر ودقة وتركيز. أستخدم القلم الجاف في تنفيذ أعمال تصل أحجام بعضها إلى 80×60 سنتيمتراً. وأعمل على التفاصيل والتدرجات والظلال حتى تتكامل اللوحة. الجميل في هذه التجربة أن الأداة متاحة وبسيطة لكنها تستطيع أن تقدم عملاً فنياً متكاملاً إذا امتلك الفنان الرؤية والإصرار.
ــ هل تستلهم أفكارك من الشعر والأمثال والأقوال الشعبية؟
ــ نعم كثيراً. أحب تحويل القصائد والأمثال والحكم إلى صور تشكيلية. أحياناً أسمع بيتاً شعرياً أو أقرأ مقولة فتبدأ الفكرة بالتشكل في ذهني. وقد أنفذها بطريقة رمزية تجعل المشاهد يتأمل العلاقة بين الكلمات والصورة. فالفن بالنسبة لي وسيلة أخرى للتعبير عن المعاني التي تحملها اللغة.
الأغنية العراقية.. نافذة إلى الذاكرة الشعبية
ــ نلاحظ حضوراً واضحاً للأغنية العراقية في بعض أعمالك. كيف بدأت هذه العلاقة؟
ــ منذ عام 2013 تقريباً بدأت أهتم بالأغاني العراقية القديمة وأستمع إلى أعمال سعدون جابر ورياض أحمد وفؤاد سالم وفاضل عواد وحسين نعمة وكاظم الساهر وغيرهم. كما تأثرت بالشعراء الذين كتبوا كلمات تلك الأغاني. وجدت أن بعض الصور الشعرية تحمل طاقة تشكيلية كبيرة ويمكن تحويلها إلى لوحات.
ــ كيف تتعامل مع الكلمات الغنائية عندما تقرر تحويلها إلى عمل تشكيلي؟
ــ أحاول أن أبحث عن الصورة المختبئة داخل الكلمات. فبعض المفردات الشعبية تحمل دلالات عميقة مرتبطة بالحياة والوجدان والذاكرة. أبدأ بتأمل المعنى ثم أبحث عن الرمز المناسب الذي يستطيع أن ينقل إحساس الأغنية إلى المتلقي من خلال اللوحة.
المعارض والمشاركات.. محطات في مسيرة الإبداع
ــ كم معرضاً شخصياً قدمت خلال مسيرتك الفنية؟
ــ قدمت نحو ستة معارض شخصية وكانت هناك تجارب ومعارض أخرى خلال سنوات الدراسة والبدايات. ومن المحطات المهمة معرض عام 2012 الذي قدمت فيه مجموعة من الأعمال المنفذة بالقلم الجاف. كما شاركت في فعاليات ومعارض داخل العراق وخارجه ومن بينها تجربة فنية في تركيا.
ــ وماذا عن مشاركتك الأخيرة التي تناولت قضية الإمام الحسين عليه السلام؟
ــ قدمت مجموعة من ثماني لوحات استلهمت موضوعاتها من واقعة كربلاء والذاكرة الحسينية. حاولت أن أعبر عن هذه المعاني بلغة تشكيلية تحمل أبعاداً إنسانية ووجدانية وتستحضر ما تمثله هذه القضية في الذاكرة العراقية.
مؤسسة هواجس.. مشروع ثقافي يجمع المبدعين
ــ أنت مؤسس ورئيس مؤسسة هواجس للثقافة والفنون. متى بدأت هذه التجربة وما الذي حققته؟
ــ تأسست المؤسسة عام 2012 وبدأنا بنحو ثلاثين فناناً ومبدعاً ثم توسعت التجربة وأصبح عدد المنتمين إليها يتجاوز ثلاثمئة فنان. حرصنا على أن تكون المؤسسة مساحة للتواصل بين الفنانين التشكيليين والرسامين والنحاتين والخطاطين والشعراء والموسيقيين. ونظمنا فعاليات ومعارض ومهرجانات في عدد من المحافظات العراقية.
ــ لماذا اخترتم أن تتجاوز المؤسسة حدود المعارض التشكيلية إلى المهرجانات الثقافية والفنية؟
ــ لأننا وجدنا أن الإبداع لا يقتصر على فن واحد. لدينا شعراء وموسيقيون وفنانون تشكيليون ومبدعون في مجالات متعددة. لذلك اتجهنا إلى تنظيم مهرجانات تجمع هذه الطاقات وتمنحها فرصة للتواصل والتعاون وتبادل الخبرات. ومن التجارب التي نعتز بها مهرجان سومر وما قدمناه من نشاطات في المحافظات.
ــ كيف تنظر إلى مستقبل الفن التشكيلي العراقي وما الذي يحتاجه الفنان اليوم؟
ــ الفن التشكيلي العراقي يمتلك طاقات كبيرة وتجارب مهمة لكنه يحتاج إلى مزيد من الاهتمام والرعاية وإتاحة الفرص أمام الفنانين لإقامة المعارض والتواصل مع الجمهور. كما أن الإعلام له دور أساسي في التعريف بالتجارب الفنية وتقديمها إلى المجتمع. فالفنان يحتاج إلى من يسلط الضوء على منجزه ويمنحه المساحة التي يستحقها.
كلمة أخيرة
ــ بعد هذه الرحلة الطويلة بين الرسم والنحت والتجريب والعمل الثقافي ماذا يمثل الفن بالنسبة إليك اليوم؟
ــ الفن هو حياتي ووسيلتي للتعبير عن أفكاري وما أراه في المجتمع والإنسان. ما زلت أمتلك أفكاراً ومشروعات فنية أعمل على تنفيذها وأؤمن بأن الفنان لا يتوقف عن البحث والتجريب. وكل لوحة جديدة تمثل بالنسبة لي بداية رحلة أخرى.
ــ شكراً للفنان رحيم السيد حمود على هذا اللقاء وما قدمه من إضاءات عن تجربته ومسيرته الإبداعية.
ــ الشكر لكم أستاذ جمال على هذه الاستضافة الجميلة وعلى اهتمامكم بالفن والفنانين العراقيين.