
د.فاضل علي : باحث في شؤون الدراسات والثقافات الشرق أوسطية
عادت الحرب إلى اليمن، وهي تزداد ضراوةً يوماً بعد يوم. فقد اتخذ التحالف المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان في مواجهة الحوثيين اصطفافاً جديداً خلال الأسبوع الماضي. في جهةٍ تقف دولةٌ تعدّ نفسها خادمةً للحرمين، ومعها بلدان إسلاميان كبيران، وفي الجهة الأخرى حركةٌ ترى نفسها إحدى حاملات راية المقاومة. وبينهما شعبٌ يعيش منذ أكثر من عقد في واحدةٍ من أسوأ الكوارث الإنسانية في عصرنا.
قد يبدو طرحُ وساطةٍ إيرانية في النزاع الدامي بين السعودية والحوثيين متناقضاً للوهلة الأولى. فكيف لإيران أن تؤدي دور الوسيط، وقد اشتهرت، عن حقٍّ أو عن غير حق، بدعم الحوثيين بل والتحالف معهم؟ لا بد من الصراحة: إيران ليست محايدة في هذه الحرب. فالحوثيون قريبون جداً منها، ويُعدّون حليفها في شبه الجزيرة العربية، والعالم يعرفهم ذراعاً إقليمية لها.
أفلا يكون اقتراحُ الوساطة من جانب إيران إذن ضرباً من السذاجة أو الرياء؟ كلا بالتأكيد، شريطة أن نفهم معنى الوساطة فهماً صحيحاً. فالوسيط الفاعل ليس بالضرورة محايداً. الوسيط الفاعل هو من يُجلس الطرفين إلى طاولة التفاوض ويفي بالتزاماته.
وهنا بالتحديد تكمن قيمة هذا المقترح بالنسبة إلى الرياض. ففي نظر الرياض، كما في نظر المنطقة وواشنطن، لن يُعقد أي وقفٍ لإطلاق النار مع الحوثيين من دون رضا طهران. وبمقترح الوساطة، يمكن لما هو اليوم عبءٌ على إيران أن يصبح غداً رصيداً للسلام.
علاقة ٌ جريحة لكنها لم تنقطع
تمرّ العلاقة بين إيران والسعودية اليوم بأصعب مراحلها في السنوات الأخيرة. ففي الأيام الأولى من الحرب، استُهدفت سفاراتٌ ومطاراتٌ ومنشآتٌ نفطية. قالت طهران إن الهدف هو المصالح الأميركية، أما الرياض فرأت في ذلك اعتداءً على أراضيها وعلى شريانها الاقتصادي. وكاد باب المصالحة، الذي فُتح بشقّ الأنفس، أن يُغلق من جديد.
ومع ذلك كله، لم ينقطع حبل العلاقة. فالسفارتان ما زالتا مفتوحتين، ولم تتحدث أيٌّ من العاصمتين عن قطع العلاقات. وهذا يدلّ على أن الطرفين يدركان، رغم كل ما بينهما من استياء، أن القطيعة التامة لا تخدم أيّاً منهما.
إن بيننا علاقةً جريحة، واللقاءات البروتوكولية وحدها لا تكفي. ومن أمثلتها حضور نائب رئيس الجمهورية مراسمَ في السفارة السعودية، ومشاركة السفير السعودي في مجلس عزاء أحد رجال الدين، وتبادل الرسائل.
لا يمكن تغيير الجار، لكن يمكننا تغيير أسلوب الجيرة. والثقة بين الجيران لا تُبنى بالأقوال بل بالأفعال، أي بخطوةٍ يرى فيها الطرف الآخر علامةً على حسن النية لا مناورةً تكتيكية.
ومقترح الوساطة في اليمن خطوةٌ من هذا القبيل. فإيران تقول للرياض من خلاله: لا نريد لهذه الجراح وهذه الحرب بين طرفين مسلمين أن تستمر، بل نريد أن نفعل شيئاً لإنهائها.
رسالةٌ واضحة وبنّاءة
ليس ثمة رسالةٌ أوضح للسعودية من أن تخطو إيران خطوةً نحو إنهاء الحرب ووقف مزيدٍ من سفك الدماء بين طرفين مسلمين. خطوةٌ كهذه تكسب من الثقة أكثر مما تكسبه أي زيارةٍ أو مشاوراتٍ أو تحركٍ سياسي آخر.
لعُمان علاقاتٌ قديمة مع الحوثيين ومع السعودية. ولتركيا وباكستان أيضاً علاقاتٌ مع إيران، وهما صاحبتا مصلحةٍ في انتهاء الحرب، وإن وقفتا في معسكرٍ مختلف. لذلك يمكن لتعاونٍ مشترك مع مسقط، ولحوارٍ مع الأطراف المتنازعة، أن يسهما في خفض حدة المواجهات وتهيئة أرضيةٍ لتفاهمٍ أوسع.
ويمكن لمثل هذا المسعى أن يبدأ بإجراءاتٍ فورية، كوقف استهداف البنى التحتية المدنية وتبادل أسرى الحرب، ثم يفضي إلى مفاوضاتٍ لإنهاء الحرب.
إن كانت إيران ترى نفسها مدافعةً عن الأمة الإسلامية، فاليوم هو أنسب وقتٍ لإثبات ذلك. ولا يكون الإثبات بصاروخٍ آخر، بل بيدٍ تمتدّ للإصلاح بين طائفتين من المسلمين اقتتلتا، ولإحلال السلام بينهما.