رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
وشم على الوجه أم علامة على الهوية ؟


المشاهدات 1102
تاريخ الإضافة 2026/10/26 - 9:46 PM
آخر تحديث 2026/10/27 - 11:08 AM

في الماضي، حين كانت دائرة الجنسية العراقية تصدر هوية الأحوال الشخصية، كانت هناك خانة مخصصة للعلامات الفارقة، إلى جانب لون العينين والطول. وكان الموظف يدوّن فيها ما يساعد على تمييز الشخص والتعرّف عليه، مثل خال أسود أو وحمة في الوجه، أو عبارة «كريم العينين»، وهي تسمية شعبية كانت تُستخدم للإشارة إلى من فقد إحدى عينيه أو كانت لديه إصابة فيها.
 تذكرت ذلك وأنا أشاهد مقطعاً لشاب ينتقد أحد ضباط الجنسية لأنه طلب منه إزالة الوشم المرسوم على وجهه قبل التقاط الصورة الخاصة بالهوية، وكأن الضابط ارتكب تجاوزاً على حريته الشخصية، فيما رأى كثيرون أن الموظف يؤدي واجبه، وأن من حق دائرة الجنسية أن تحصل على صورة واضحة تتطابق مع صاحبها.
 وهنا يبرز السؤال: ماذا لو أزال الشاب وشمه بعد أشهر، أو أضاف رسوماً جديدة إلى وجهه؟ هل سيعود إلى دائرة الجنسية لتغيير صورته في كل مرة يقرر فيها تعديل ملامحه؟ وهل تحولت الهوية الرسمية إلى ألبوم لتوثيق التغييرات التي تطرأ على اختياراتنا الشخصية؟
 لا أحد ينازع الإنسان في حقه في اختيار مظهره، ولا في حريته في رسم الوشم على جسده، لكن الحرية الشخصية لا تعني أن نتجاهل متطلبات الوثائق الرسمية، ولا أن نحمّل موظف الدولة مسؤولية نتائج قرارات اتخذناها بإرادتنا. ومع ذلك، فإن تطبيق التعليمات ينبغي أن يستند إلى ضوابط واضحة، لا إلى الأذواق الشخصية للموظفين، فالوشم بحد ذاته لا ينبغي أن يكون سبباً للرفض ما لم يتعارض مع متطلبات الصورة الرسمية المعتمدة.
 ثم إن للوشم مكاناً وطريقة، وللذوق دور في الاختيار. اعتاد الناس رسم الوشوم على الظهر أو الذراعين أو الساقين، أما أن تمتد الرسوم إلى الخدود، أو تعلو الحاجبين، أو تستقر على الصدغين، فذلك اختيار يغيّر الهيئة التي اعتاد الآخرون رؤيتها، ويجعل الوشم أول ما تقع عليه العين قبل أن تتأمل ملامح الوجه.
 جرّب أن تتحاور مع شخص غطّى وجهه بالرسوم؛ قد تجد نفسك منشغلاً بتأمل خطوط الوشم وألوانه، بدلاً من متابعة تعابير وجهه وقراءة ردود أفعاله. فالوجه ليس مجرد مساحة للرسم، بل هو لغة صامتة تنقل مشاعرنا، وتكشف شيئاً من انفعالاتنا.
 وأتساءل: أين دور الأسرة في النصح والتوجيه؟ ألم يكن ممكناً أن يقول له أبوه أو أمه إن الوشم اختيار شخصي، لكن الاختيار الجميل يحتاج إلى ذوق، وإن لكل شيء حدوداً ومكاناً يناسبه؟
 لسنا أوصياء على أحد، ولسنا مطالبين بفرض أذواقنا على الناس، لكننا أيضاً لسنا مضطرين إلى اعتبار كل اختيار شخصي تصرفاً حكيماً لمجرد أنه يدخل في باب الحرية..  فالحرية أن تختار ما تريد، والحكمة أن تعرف كيف تختار، والمسؤولية أن تتحمل نتائج اختيارك.   


تابعنا على
تصميم وتطوير