
لا يتحدث الإنسان بالكلمات وحدها، فجسده يشارك في التعبير عنه، من خلال نظراته وحركات يديه وطريقة جلوسه ووقوفه، وحتى المسافة التي يتركها بينه وبين الآخرين .
وقد يقول المرء كلاماً مطمئناً، بينما تكشف حركاته عن توتر أو انزعاج، فنعرف أنه يخفي الحقيقة أو يتعمد الخداع. من هذه المساحة بين الكلام والسلوك ينطلق كتاب (ما يقوله كل جسد) الذي يقدم مدخلاً عملياً إلى عالم غير لفظي.
صدر الكتاب باللغة الإنجليزية عام 2008 عن دار هاربر كولينز بعنوان فرعي هو ( دليل عميل سابق في الـFBI لقراءة الناس بسرعة) ألّفه جو نافارو بمشاركة مارفن كارلينز، وبلغ عدد صفحات بعض طبعاته 272 صفحة. وقد حقق انتشاراً دولياً، وتجاوزت مبيعاته مليون نسخة وفق ما هو مثبت على غلاف إحدى طبعاته.
جو نافارو ضابط سابق في مكتب التحقيقات الفيدرالي الأمريكي، عمل في مجال مكافحة التجسس، واكتسب خبرة عملية في مراقبة السلوك الإنساني والتواصل غير اللفظي. وبعد انتهاء خدمته، اتجه إلى التأليف والمحاضرات والاستشارات في هذا المجال.
أما مارفن كارلينز، فهو أكاديمي أمريكي حاصل على الدكتوراه في علم النفس من جامعة برنستون، وله إسهامات في التأليف والكتابة في مجالات علم النفس والإدارة. وقد أسهمت مشاركته في تقديم الأفكار العملية ضمن إطار تفسيري منظم. ويُعدّ الكتاب ثمرة الجمع بين الخبرة الميدانية لنافارو والخلفية النفسية والأكاديمية لكارلينز.
يقوم الكتاب على فكرة أساسية مفادها أن فهم الإنسان لا يتحقق من خلال الاستماع إلى كلماته فحسب، بل يتطلب أيضاً ملاحظة سلوكه الجسدي، مع الانتباه إلى الظروف التي يظهر فيها ذلك السلوك. وهو لا يقدم قاموساً ثابتاً تكون فيه لكل حركة دلالة واحدة، بل يشجع القارئ على مراقبة الأنماط والتغيرات وربطها بالموقف.
يتناول المؤلفان، أولاً، القدمين والساقين، وما يمكن أن تعكسه حركاتهما من ارتياح أو توتر أو رغبة في الابتعاد عن موقف معين. وينتقلان إلى الجذع والكتفين والذراعين، حيث يناقشان وضعيات الجسد المفتوحة والمنغلقة، وكيف يمكن أن تساعد في تكوين انطباع عن حالة الشخص.
كما يخصص الكتاب اهتماماً لليدين والأصابع، لما تؤديه الإيماءات من دور في التواصل، ثم يتناول الوجه والعينين، من تعبيرات الوجه وحركة الجفون إلى النظرات وتغيراتها. ويؤكد أهمية عدم الاكتفاء بإشارة منفردة، بل النظر إلى مجموعة من السلوكيات في سياق واحد.
ومن موضوعاته المهمة أيضاً محاولة فهم الخداع. غير أن القيمة الحقيقية لهذا الجانب تكمن في تعلم الانتباه إلى التناقضات والتغيرات غير المعتادة، لا في افتراض أن حركة معينة تكشف الكذب بصورة مؤكدة.
من أبرز المفاهيم التي يساعد الكتاب على فهمها مفهوم السلوك غير اللفظي، أي الرسائل التي ينقلها الإنسان بوسائل غير الكلمات، مثل الحركة والوضعية والتعبير الجسدي.
ويبرز كذلك مفهوم خط الأساس السلوكي، وهو التعرف إلى الطريقة المعتادة التي يتصرف بها الشخص، ثم ملاحظة التغيرات التي تطرأ عليها. فإذا كان المرء كثير الحركة بطبيعته، فلا يصح اعتبار حركته وحدها دليلاً على القلق. أما إذا تغير سلوكه فجأة في موقف محدد، فقد يستحق الأمر مزيداً من الملاحظة، من دون التسرع في تفسير السبب.
وثمة مفهوم آخر هو تجميع الإشارات، فالحكم على الحالة النفسية لشخص ما ينبغي ألا يقوم على حركة واحدة، بل على مجموعة من المؤشرات، إلى جانب الكلام والظروف المحيطة. ويضاف إلى ذلك مفهوم الراحة والانزعاج، الذي يساعد على ملاحظة استجابة الشخص للمواقف والأشخاص، مع إدراك أن لهذه الاستجابات أسباباً متعددة.
وتكمن أهمية هذه المفاهيم في أنها تدرب القارئ على الملاحظة الدقيقة، وتبعده عن الأحكام الجاهزة التي تختزل الإنسان في حركة أو نظرة.
ورب سال يسأل نحن اناس بسطاء لسنا مهتمين بأعمال المخابرات والتجسس وغيرها، فماذا نستفيد من قراءة الكتاب؟.. يحيب كاتبا الكتاب: يمكن الاستفادة من الكتاب في الحياة اليومية، وفي العلاقات الاجتماعية والمقابلات المهنية والتفاوض والحوار. فهو يساعد على الانتباه إلى مشاعر الآخرين المحتملة، وتحسين الإصغاء، ومراجعة الطريقة التي نستخدم بها أجسادنا في التواصل.
ومن خلال قراءتي للكتب وجدت فائدة اخرى، فالمؤلفان يقدمان فائدة للكاتب والروائي، إذ يمكن توظيف مبادئ الملاحظة السلوكية في بناء الشخصيات الأدبية. فبدلاً من أن يخبرنا السارد بأن الشخصية خائفة أو مترددة، يستطيع أن يصف يدها المرتجفة، أو صمتها المفاجئ، أو تغير جلستها عند سماع خبر معين. وهكذا تصبح الحركة جزءاً من بناء الشخصية وكشف دواخلها، من دون حاجة إلى التصريح بكل شيء.
ومع ذلك، علينا التعامل مع الكتاب بوعي نقدي. فالنظر بعيداً عن العينين لا يعني الكذب بالضرورة، وعقد الذراعين قد يكون بسبب البرد أو الراحة، لا الرفض أو العداء. كما تتأثر لغة الجسد بالشخصية والثقافة والظروف الصحية والموقف الاجتماعي. ولهذا لا يجوز اتخاذها وسيلة معصومة للحكم على النيات.
وهنا قد يسأل القار: هل يتوافر الكتاب في بغداد؟
صدرت للكتاب طبعة عربية عن دار الرافدين عام 2025، بترجمة منير سليمان. أما توافر النسخة في مكتبات بغداد حالياً، فلم أتمكن من التحقق منه بصورة قاطعة. ويمكن الاستفسار عنه لدى مكتبات شارع المتنبي، ومنها مكتبة اقرأ ودار المرتضى للكتاب العراقي، مع ذكر العنوان واسم المؤلف جو نافارو، لأن الكتاب قد يُسجّل باسم المؤلف الأول لا باسم مارفن كارلينز.
إن أهمية كتاب (ما يقوله كل جسد) لا تكمن في تحويل القارئ إلى خبير يكتشف أسرار الناس من نظرة واحدة، بل في تعليمه أن يراقب السلوك بعناية، وأن يربط الإشارات بظروفها، وأن يتريث قبل إصدار الأحكام، فالإنسان أكثر تعقيداً من أن تختصره حركة جسدية، لكن ملاحظة تلك الحركة قد تفتح نافذة إضافية لفهمه.
وإذا كانت الكلمات تنقل ما نريد قوله، فإن الجسد يشارك في نقل الطريقة التي نعيش بها الموقف ونستجيب له، وبين الاثنين تتشكل مساحة واسعة من التواصل الإنساني، تستحق القراءة والتأمل والدراسة.