رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
إتحاد الأدباء يحتفي برياض المولى وروايته “جذور القصب”


المشاهدات 1096
تاريخ الإضافة 2026/10/25 - 10:06 PM
آخر تحديث 2026/10/26 - 11:24 AM

في مشهد ثقافي تتجدد فيه اللقاءات بين المبدعين والنقاد وتتعانق فيه التجارب الأدبية مع الرؤى النقدية، احتضن اتحاد الأدباء والكتاب العراقيين جلسة أدبية ضمن نشاطات نادي السرد للاحتفاء بالروائي العراقي رياض المولى وروايته «جذور القصب» في مناسبة أعادت تسليط الضوء على أهمية الرواية في استكشاف الذاكرة الوطنية، واستقراء التحولات الاجتماعية والسياسية التي تركت آثارها العميقة في حياة العراقيين.
ولم تكن الجلسة مجرد احتفاء بإصدار روائي جديد بقدر ما كانت محاولة للاقتراب من تجربة إبداعية تشكلت عبر سنوات طويلة من القراءة والتأمل ومراكمة المعرفة قبل أن تنتقل إلى فضاء الكتابة الروائية. كما أتاحت للمشاركين فرصة مناقشة العلاقة بين التاريخ والمتخيل السردي، وكيف يستطيع الروائي أن يستعيد أحداث الماضي ويعيد تشكيلها فنيا بما يمنحها حياة جديدة في الوعي الإنساني.
وشهدت الجلسة حضور الروائي رياض المولى ومداخلة نقدية للدكتور سمير الخليل الذي تناول البناء الفني للرواية وطرائق اشتغالها على التاريخ والزمن والشخصيات والأمكنة.
نادي السرد يفتح نافذة على تجربة روائية
استهلت الجلسة بالتعريف بتجربة رياض المولى الذي عرف بإنتاجه الروائي وميله إلى العمل الأدبي بعيدا عن الظهور المتكرر في الفعاليات الثقافية. وأشار مقدم الجلسة إلى أن التعرف إلى التجارب الإبداعية لا ينبغي أن يقتصر على الأسماء الحاضرة باستمرار في المشهد الثقافي، بل يتطلب البحث عن الكتاب الذين ينشغلون بمشروعاتهم الأدبية ويواصلون الكتابة بصمت.
ومن هذا المنطلق جاء الاحتفاء بالمولى بوصفه روائيا يمتلك تجربة تستحق القراءة والمناقشة. فقد قدم عددا من الأعمال التي تنوعت موضوعاتها ومساراتها السردية وكان من بينها  من عطف الرشيد  والدكتور عوني وجذور القصب والرمق الأخير  الصادرة عام 2025، فضلا عن مجموعة قصصية مخطوطة.
وتعكس هذه الأعمال مسارا إبداعيا اتجه فيه الكاتب إلى استكشاف المجتمع العراقي وتحولاته والبحث في جذور الشخصيات ودوافعها ضمن سياقات اجتماعية وتاريخية متباينة.
ولم يتوقف الاهتمام بتجربته عند حدود القراء، إذ تناولتها دراسات أكاديمية متعددة من بينها رسالة ماجستير عن تقنيات السرد في رواياته وأخرى عن العناصر السيميائية في رواية  جذور القصب، فضلا عن بحث تناول التخييل التاريخي في الرواية.
كما أشار مقدم الجلسة إلى وصول المولى إلى القائمة القصيرة في جائزة الدكتور ناجي التكريتي عن قصته السيد هيكل، وحصوله على المركز الثاني في مسابقة الرواية العربية عن روايته  الرمق الأخير .
رياض المولى يستعيد البدايات الأولى للكتابة
في حديثه عن تجربته الإبداعية، أعاد الروائي رياض المولى بدايات الكتابة إلى سنوات الطفولة حين كتب القصة في سن العاشرة. وأكد أن تلك المحاولة لم تكن وليدة المصادفة بل جاءت نتيجة عاملين أساسيين أسهما في تشكيل مخيلته الأدبية هما القراءة والحكايات الشعبية التي كانت ترويها والدته.
واستعاد المولى أثر دار ثقافة الأطفال ومطبوعاتها في تكوين وعيه المبكر.مشيرا إلى مجلتي مزمار ومجلتي  والسلاسل القصصية التي كانت تصدر آنذاك وتوفر للصغار عالما واسعا من المعرفة والخيال.وإلى جانب القراءة، كانت حكايات الأم تمثل مصدرا آخر لإثراء مخيلته، إذ حملت إليه قصصا من الموروث الشعبي وحكايات خيالية وخرافية ظلت عالقة في ذاكرته وأسهمت في بناء عالمه القصصي الأول.
ومن تفاعل القراءة مع الحكاية الشفاهية تشكلت لديه القدرة على تخيل الشخصيات وتحريك الأحداث واستحضار العوالم التي ستصبح لاحقا مادة للكتابة.
غير أن طريقه إلى الرواية لم يكن قصيرا فقد أمضى سنوات طويلة في القراءة والاطلاع قبل أن يتجه إلى نشر أعماله الروائية. وخلال تلك المرحلة قرأ أعمالا في أدب الجريمة والتحقيق متأثرا بتجارب أجاثا كريستي وشخصية شرلوك هولمز وأدب التجسس، كما اطلع على تجارب أدبية أخرى قبل أن يجد نفسه أقرب إلى الرواية.
وأشار إلى تأثره برواية «الأم» للكاتب الروسي مكسيم غوركي التي قرأها أكثر من مرة وشعر بأنها تقربه من العالم الروائي وتساعده على اكتشاف إمكانات هذا الفن الواسع.
وهكذا تدرجت تجربته من محاولات قصصية مبكرة إلى مشروع روائي أخذ يتبلور عبر مجموعة من الأعمال التي شكلت محطات مهمة في مسيرته الأدبية.
لماذا يكتب الروائي؟
في سياق الحوار، طُرح على المولى سؤال عن دوافع الكتابة، وما إذا كانت تمثل وسيلة للهروب من الواقع أم طريقا لفهمه وإعادة تشكيله.
وجاءت إجابته مختصرة ومعبرة حين أكد أنه يجد نفسه في الكتابة.
وتكشف هذه الإجابة عن علاقة تتجاوز حدود الممارسة الأدبية إلى الإحساس بأن الكتابة مساحة يحقق فيها الكاتب وجوده ويعيد من خلالها تنظيم علاقته بالعالم. فالروائي لا يكتفي بمراقبة الوقائع من الخارج وإنما يحاول النفاذ إلى دواخل الشخصيات واستكشاف تناقضاتها وتحويل التجربة الإنسانية إلى مادة فنية.
وتختلف مصادر الشخصيات في أعمال المولى بحسب طبيعة كل رواية. ففي  من عطف الرشيد احتاج إلى الاقتراب من الأماكن والشخصيات الاجتماعية التي تدور حولها الأحداث مستفيداً من ملامح الحياة اليومية وتفاصيل المجتمع.
أما رواية  الدكتور عوني، فقد أوضح أن شخصيتها الأساسية متخيلة فيما استندت  جذور القصب إلى قراءات في التاريخ السياسي وعلم الاجتماع والأنثروبولوجيا.
وتناول العمل الأخير حقبة زمنية طويلة تمتد من عام 1929 إلى عام 2003 بما شهدته من تحولات سياسية واجتماعية وتباينات حادة بين مستويات الثراء والفقر وبين مصائر الشخصيات التي تتحرك داخل هذا العالم المضطرب.
سمير الخليل والعلاقة بين الرواية والتاريخ
في المداخلة النقدية التي قدمها الدكتور سمير الخليل، انطلقت القراءة من العلاقة القديمة بين الرواية والتاريخ وهي علاقة تمنح السرد إمكانات واسعة لاستعادة الوقائع وإعادة النظر فيها من منظور إنساني. وأشار الخليل إلى ضرورة التمييز بين الرواية التاريخية التي تتخذ من الأحداث التاريخية مادتها الأساسية وبين الرواية التي توظف التاريخ داخل بنائها الفني وفق رؤية الكاتب وقدرته على المزج بين الوقائع والمتخيل.
فالتاريخ في العمل الروائي لا يتحول بالضرورة إلى سجل للأحداث أو وثيقة تسجل الوقائع كما حدثت، بل يصبح مادة قابلة لإعادة التشكيل الفني بما يسمح بإظهار ما وراء الأحداث من صراعات ودوافع ومشاعر إنسانية.
ومن هذا المنظور قرأ الخليل رواية  جذور القصب بوصفها عملا يمزج بين المتخيل السردي والتحولات التاريخية التي شهدها العراق وصولا إلى عام 2003 وما ارتبط به من أزمات وتبدلات على المستويات السياسية والاجتماعية والاقتصادية.
ورأى أن عنوان الرواية يحمل دلالات تتصل بالعمق التاريخي والجذور الممتدة للصراعات فيما يحيل القصب إلى فضاء الأهوار بما يختزنه من خصوصية مكانية واجتماعية وثقافية.
وهنا تتجاوز دلالة المكان حدود الجغرافيا لتصبح جزءا من الذاكرة التي تتحرك داخلها الشخصيات وتتشكل في ضوئها علاقاتها ومصائرها.
ثلاثة أجيال وذاكرة عراقية ممتدة
توقف الخليل عند البنية السردية للرواية التي تتعاقب فيها أجيال ثلاثة وتتشابك مصائرها ضمن امتداد زمني طويل. وأوضح أن الكاتب اعتمد بناء دائريا يبدأ من الحاضر ثم يعود إلى الماضي ليستعيد الأحداث ويكشف الروابط التي تجمع بين الشخصيات والوقائع.وتنطلق الرواية من أجواء احتلال العراق عام 2003 عبر شخصية أحمد غازي الذي يعيش في لندن ويجد نفسه أمام سؤال العودة إلى الوطن أو البقاء في الغربة.
ويتحول هذا السؤال إلى مدخل لاستعادة تاريخ العائلة وما شهدته الأجيال السابقة من تحولات وصراعات. ومن خلال هذه العودة تتكشف حكايات الجد فرهود وأبنائه وأحفاده وتظهر العلاقة المعقدة بين الإنسان والمكان وبين الذاكرة الفردية والتاريخ العام.
ولفت الخليل إلى أن البناء الدائري لا يقتصر على ترتيب الأحداث بل ينسجم مع الفكرة التي تقوم عليها الرواية، إذ تبدو الوقائع الماضية وكأنها تعود في الحاضر بصيغ مختلفة. فالصراع بين القوة والضعف والظلم والحرية والعنف والسلام والاستعمار والرفض يتخذ أشكالا متجددة عبر الزمن.
كما أشار إلى حضور محطات تاريخية متعددة في نسيج الرواية من بينها حركة مايس عام 1941 وثورة تموز والحرب العراقية الإيرانية، وحوادث أخرى من تاريخ العراق الحديث.. وبذلك لا يظهر التاريخ خلفية جامدة للأحداث بل قوة مؤثرة في تشكيل الشخصيات وفي تحديد مساراتها ومواقفها من الوطن والغربة والانتماء.
المكان بين العمارة وبغداد ولندن
احتل المكان مساحة واضحة في القراءة النقدية التي قدمها الخليل، إذ تتنقل الرواية بين مناطق عراقية متعددة من بينها العمارة وميسان والبصرة وبغداد وصولا إلى لندن التي تمثل فضاء الغربة والابتعاد عن الوطن.. وتكتسب هذه الأمكنة أهميتها من ارتباطها بتحولات الشخصيات وتبدل أوضاعها الاجتماعية والسياسية. فالمكان ليس مجرد إطار تجري فيه الأحداث وإنما عنصر فاعل في تشكيل الوعي والذاكرة.
وتبرز شخصية أحمد غازي في هذا السياق بوصفها حلقة تصل الماضي بالحاضر، إذ يستعيد تاريخ أجداده وهو يعيش في مجتمع مختلف ويتأمل علاقته بوطنه في ضوء ما مر به العراق من أحداث.
كما توقف الخليل عند تقنية الحوار التي استخدمها الروائي للكشف عن دواخل الشخصيات وتوضيح مواقفها الفكرية والاجتماعية. ورأى أن الحوار يؤدي وظائف متعددة في البناء السردي ويساعد على تقديم الشخصيات من خلال تفاعلاتها بدلا من الاكتفاء بوصفها من الخارج.
ملاحظات نقدية تفتح باب التطوير
لم تخلُ القراءة النقدية من ملاحظات تتصل ببعض جوانب البناء السردي إذ أشار الخليل إلى وجود مواضع كان يمكن فيها تقليل الاستطراد والفائض السردي حتى تحافظ الرواية على توازن الإيقاع وتماسك الأحداث. وجاءت هذه الملاحظة في سياق قراءة احتفت بما أنجزه الروائي مع التأكيد على أهمية المراجعة الفنية المستمرة التي تتيح للعمل الأدبي أن يبلغ أقصى إمكاناته التعبيرية.
وتؤكد مثل هذه المناقشات أهمية اللقاءات الثقافية التي تجمع الكاتب بالقارئ والناقد وتتيح للأعمال الأدبية أن تتجاوز لحظة صدورها إلى فضاء أوسع من الحوار والتأويل.
الرواية العراقية وذاكرة المجتمع
في ختام الجلسة، بدت «جذور القصب»  مساحة لاستعادة مراحل من التاريخ العراقي من خلال مصائر شخصيات تتقاطع فيها الحكاية العائلية مع التحولات الكبرى التي عاشها الوطن.
وقد أتاح الاحتفاء الذي نظمه اتحاد الأدباء والكتاب العراقيين ضمن نشاطات نادي السرد، فرصة للتعرف إلى تجربة رياض المولى ومناقشة مصادرها الفكرية وملامحها الفنية فضلا عن الوقوف عند قدرة الرواية على وصل الماضي بالحاضر.
إن أهمية هذه الجلسة لا تكمن في الاحتفاء بكتاب بعينه فحسب، بل في ترسيخ تقليد ثقافي يقوم على الحوار والنقد وتبادل الرؤى. فالأدب الذي يجد طريقه إلى المنصات الثقافية يكتسب فرصة جديدة لاختبار أسئلته أمام القراء والنقاد، فيما تمنح المناقشات الجادة الكاتب مجالا لتطوير أدواته وتوسيع أفق تجربته.
وهكذا تظل الرواية العراقية قادرة على استحضار الذاكرة وقراءة التحولات الإنسانية والاجتماعية، وتقديم التاريخ من خلال حيوات الناس وأحلامهم وانكساراتهم، وهي مهمة تتجدد مع كل تجربة روائية جادة ومع كل نشاط ثقافي يفتح نافذة جديدة على عوالم الإبداع.


تابعنا على
تصميم وتطوير