رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
حارس الذاكرة الشعبية


المشاهدات 1135
تاريخ الإضافة 2026/10/25 - 9:41 PM
آخر تحديث 2026/10/26 - 11:24 AM

ليس جميع الذين يرحلون يغيبون، فثمة أناس يتركون وراءهم ما يجعل حضورهم أكثر رسوخاً من حضور كثير من الأحياء. ومن هؤلاء الباحث الموسوعي التراثي والأديب والنَسَّابة زهير أحمد القيسي، الذي أمضى سنوات عمره منشغلاً بجمع شتات الذاكرة الشعبية العراقية، والتنقيب في تفاصيلها الصغيرة التي قد تبدو عابرة في نظر الآخرين، لكنها في نظر الباحث الحصيف وثائق حية لتاريخ المجتمع وثقافته وهويته.
عرفت الراحل القيسي معرفة شخصية، ووجدت فيه ذلك النموذج من الباحثين الذين لا يتعاملون مع التراث بوصفه حكايات للتسلية، أو ذكريات جميلة عن زمن مضى، بل يعدّونه جزءاً أصيلاً من تاريخ الناس، وطريقة عيشهم وتفكيرهم، وما ابتكروه من أمثال وحكايات وأغانٍ وعادات وتقاليد، تختزن في أعماقها تجارب أجيال متعاقبة، وكان من أولئك الذين آمنوا بأن ما لا يُدوَّن اليوم قد يضيع غداً، وأن موت راوٍ شعبي مسن قد يعني ضياع مكتبة كاملة من الذاكرة الشفاهية. ولعل ما يميز أمثال القيسي أنهم يعملون غالباً بعيداً عن الأضواء، ويقضون أعمارهم بين الكتب والأوراق والرواة والمصادر، من دون أن ينتظروا جزاءً أو شكوراً، وهم بهذا المعنى أشبه بحراس الذاكرة الذين يقفون عند أبواب الماضي، محاولين إنقاذ ما يمكن إنقاذه من عاديات الزمن والنسيان. وقد أحسنت مؤسسة إيشان للدراسات الثقافية الشعبية، بالتعاون مع المركز الثقافي البغدادي، حين خصصت فعاليتها الشهرية لاستذكار هذا الباحث، وهي التفاتة وفاء تستحق التقدير، لأنها تعيد الاعتبار إلى باحث خدم التراث العراقي بصمت ومثابرة. لكن الوفاء الحقيقي للباحثين الراحلين لا ينبغي أن يتوقف عند إقامة جلسة استذكارية، أو إلقاء كلمات الثناء على مناقبهم، مهما كانت صادقة ومؤثرة، فمثل هذه المناسبات ينبغي أن تتحول إلى مشروعات ثقافية ملموسة تحفظ منجزهم، وتضعه بين أيدي الأجيال الجديدة. ومن هنا أدعو المؤسسات الثقافية العراقية، وفي مقدمتها وزارة الثقافة والجهات المعنية بالتراث الشعبي، إلى تبني مشروع لإعادة طباعة مؤلفات زهير أحمد القيسي التراثية والأدبية والشطرنجية، وجمع ما تفرق منها، فضلاً عن البحث عن مخطوطاته وترجماته التي لم يمهله العمر لإصدارها، بالتعاون مع ولديه بهاء وقثم، وأصدقائه والباحثين الذين عرفوه، والعمل على تحقيقها ونشرها في سلسلة تحمل اسمه، وتكون شاهداً على جهوده وإسهاماته، ذلك إننا كثيراً ما نحتفي بمبدعينا بعد رحيلهم، ثم نترك كتبهم تختفي من المكتبات، وأوراقهم تتعرض للتلف والضياع، وكأننا نكتفي بتكريم الأسماء وننسى إنقاذ ما تركته من آثار. وما أكثر المكتبات الشخصية التي تبددت بعد رحيل أصحابها، فضاعت معها وثائق ومخطوطات كان يمكن أن تسد فراغات واسعة في تاريخنا الثقافي.
رحم الله زهير أحمد القيسي، الذي عرفته محباً للتراث، وفياً لذاكرة الناس، ولعل أجمل تكريم له ألا يبقى اسمه مجرد ذكرى في أمسية ثقافية، بل أن تعود كتبه إلى القراء، وأن ترى مخطوطاته النور، فالذين أفنوا أعمارهم في إنقاذ ذاكرة الآخرين، يستحقون ألا نترك ذاكرتهم للنسيان.
 


تابعنا على
تصميم وتطوير