رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
خريف الغضب في أوروبا ما الذي يعنيه ويخفيه؟


المشاهدات 1097
تاريخ الإضافة 2026/10/24 - 9:26 PM
آخر تحديث 2026/10/25 - 11:23 AM

من الواضح والمؤكد أن موجة الاحتجاجات الشعبية العارمة التي تجتاح العديد من الدول الأوروبية في فرنسا كما في بلجيكا وإسبانيا وإيطاليا وألبانيا، لا تتحمل القراءات السطحية والبسيطة، بل إنها تفرض قراءات موضوعية تنفذ إلى عمق الإشكاليات والأسباب التي أجبرت الحشود على الخروج إلى الفضاء العام للتعبير عن غضبها من الواقع الذي آلت إليه الأوضاع في كثير من دول القارة العجوز.
الحقيقة تكمن أساساً في هذه الظروف الدقيقة التي يواجه فيها النظام العالمي السائد مرحلة من أكثر مراحله تعقيدا وتشابكا، في أن كثيرًا من الدول الأوروبية التي عرفت بالرخاء الاقتصادي والاجتماعي والسياسي تواجه حالياً عجزاً حاداً في جدوى السياسات العمومية التي أضحت ضعيفة الآثار الإيجابية على المواطن، بعدما أعطت الأولوية المطلقة للتوازنات المالية التي تخدم مصالح طبقة معينة، وصارت رهينة أهداف الشركات الاقتصادية والتجارية الكبرى، والارتهان لاقتصاديات كبرى في ظل ظروف عالمية صعبة تسودها النزاعات والمواجهات المباشرة. وقادت هذه السياسات العمومية المفروضة إلى شعور شرائح عريضة بأزمة مستفحلة في العدالة الاجتماعية، حيث تعمقت الهوة بين احتياجات هذه الشرائح وحجم العرض الاجتماعي المتوفر. كما أن حدة التضخم لم تتوقف وزادت وتيرة تصاعد الدين العام، وارتفعت فوائد السندات الحكومية، وقادت مجمل هذه الأسباب، وغيرها كثير، إلى ارتفاعات مهولة ومتتالية في أسعار جميع المواد الاستهلاكية خصوصاً أسعار الوقود والطاقة والمواد الاستهلاكية والمنتوجات الصناعية.
والإشكال الأكثر عمقاً أن الممارسة السياسية والديموقراطية التي كانت تسعف هذه الدول على تجاوز المراحل الصعبة جدا، لأنها كانت تعكس فعليا إرادة الناخبين، وتتيح المساءلة والمحاسبة، تراجع دورها وتأثيرها في صناعة القرارات الوطنية المستقلة، وتحولت الممارسة الإنتخابية إلى ما يشبه تداولا بين الوجوه والأسماء، وإلى مجرد وسيلة لإفراز توازنات بين مكونات الطبقة السياسية لا أقل ولا أكثر، ولذلك تسرب شعور سلبي لدى المواطن الأوروبي مفاده أن الانتخابات والمؤسسات الدستورية لم تعد ذات تأثير في تحسين جودة العيش. ويعاضد هذا الشعور تآكل للنخب السياسية والثقافية والنقابية والأكاديمية التي تراجعت مظاهر وأشكال تأثيرها في الحياة العامة، ولا غرابة في القول في ضوء ذلك أن أوروبا لم تعد تفرز الزعامات السياسية والنقابية والثقافية التي يزخر بها تاريخ أوروبا. ومن التبسيط أيضا الادعاء بأن الغضب الذي يجتاح العديد من الدول الأوروبية عابر، وسيزول مع مرور الوقت. بل الحقيقة أن تاريخ الحراك في كثير من الدول الأوروبية قاد إلى تغييرات عميقة في أنماط الحكم هناك، مع حدوث متغير يفرض نفسه بقوة يتجسد في أن تاريخ الحراك في فرنسا وفي باقي الدول الأوروبية تميز بالنضج وقوة التأطير من قيادات تاريخية، وهو العامل الحاسم الذي يكاد يفتقده الحراك الحالي، ولنا في صور الخراب والتدمير والعنف المفرط الذي يرافق الاحتجاجات الحالية خير دليل على ما نحن بصدده.
هذه القراءة تترك باب الاحتمالات والتكهنات موارباً على المستقبل القريب جداً لحراك أشعل فتيله صبية في المدارس الفرنسية، وتطايرت شظاياه بسرعة فائقة في أقطار أوروبية، ولا تزال مستمرة في التمدد نحو دول أخرى، بما يتيح الحديث عن خريف أوروبي غاضب لا تملك أي جهة سلطة، ولا قوة، ولا قدرة الحد منه.
 


تابعنا على
تصميم وتطوير