
لا تقاس قوة الدول بما تمتلكه من موارد وإمكانات فحسب بل بقدرتها على تحويل هذه الموارد إلى سياسات عامة ناجحة تستجيب لحاجات المجتمع وتحقق أهداف التنمية، وتبرز أهمية هذا الأمر في قطاع الكهرباء الذي يمثل أحد المؤشرات الأساسية على كفاءة الإدارة الحكومية، ومدى قدرتها على التخطيط والتنفيذ ومواجهة الأزمات.
ما السياسات العامة ؟
إنها مجموعة القرارات والتوجهات والإجراءات التي تتبناها السلطات الحكومية لمعالجة المشكلات العامة وتحقيق أهداف محددة. وقد عبر الباحث الأمريكي توماس داي عن مفهومها بأنها ما تختار الحكومة القيام به أو الامتناع عن القيام به وتتميز السياسات العامة بارتباطها بالمصلحة العامة، واستنادها إلى سلطة قانونية ووضوح أهدافها واعتمادها على الموارد المتاحة، فضلاً عن حاجتها إلى التنفيذ والمتابعة والتقييم، ومن هنا يمكن القول : ان نجاح السياسة العامة لا يتوقف على صدور القرار بل يتحدد بمدى قدرته على إحداث تغيير ملموس في الواقع .
الاتجاهات الفكرية… من القانون إلى البيئة
تطورت دراسة السياسات العامة عبر اتجاهات فكرية متعددة أسهم كل منها في تقديم زاوية مختلفة لفهم القرار الحكومي حيث يركز الاتجاه القانوني والمؤسسي على القوانين والصلاحيات والهياكل الرسمية التي تنظم عمل الدولة، وهو ما يتيح فهم توزيع المسؤوليات بين المؤسسات ومدى وضوح اختصاصاتها.
أما الاتجاه السلوكي فيتجاوز النصوص والهياكل إلى دراسة السلوك الفعلي للأفراد والمؤسسات وتحليل البيانات والنتائج لمعرفة أسباب نجاح السياسات أو تعثرها، ويؤكد اتجاه ما بعد السلوكية ضرورة ربط المعرفة العلمية بمشكلات المجتمع الحقيقية مع الاهتمام بالقيم والعدالة والمصلحة العامة، فلا تكون السياسة ناجحة لمجرد تحقيق مؤشرات رقمية بل لما تتركه من أثر إيجابي في حياة المواطنين .
في حين ينظر الاتجاه البيئي إلى السياسة العامة ضمن محيطها الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والطبيعي مع التركيز في قطاع الطاقة على استدامة الموارد والتغيرات المناخية وكفاءة استخدام الوقود والمياه وإمكانات الطاقة المتجددة، وهذه الاتجاهات ليست مراحل منفصلة بالضرورة بل مداخل متكاملة يمكن توظيفها لفهم السياسات العامة وتحليل نتائجها .
مفاهيم متداخلة… وأدوار متكاملة
ترتبط السياسات العامة بمفاهيم أخرى أبرزها الإدارة العامة التي تتولى تنفيذ القرارات والاستراتيجية التي تحدد الأهداف طويلة الأمد والتخطيط الذي يحول الأهداف إلى برامج عملية والحوكمة التي تعزز التنسيق والشفافية والمساءلة، فضلاً عن تحليل السياسات وتقييمها لقياس مدى تحقق النتائج . كما تتعدد الجهات الفاعلة في صنع السياسات العامة، فهناك فاعلون رسميون تشمل أدوارهم السلطات التشريعية والتنفيذية والوزارات والمؤسسات الحكومية والجهات الرقابية والقضائية كل وفق اختصاصه القانوني، وهناك فاعلون غير رسميين مثل (الأحزاب السياسية والقطاع الخاص والخبراء والجامعات ووسائل الإعلام ومنظمات المجتمع المدني والمواطنين) ممن يمكن أن يؤثروا في تحديد الأولويات وتقديم الخبرات وتشكيل الرأي العام .
وتزداد أهمية التنسيق بين هذه الأطراف عندما يتعلق الأمر بقطاع حيوي تتداخل فيه القرارات الإدارية والمالية والفنية والاقتصادية كما هو الحال في قطاع الكهرباء .
قطاع الكهرباء العراقي… أزمة تتجاوز الجانب الفني
منذ عام 2003 واجه قطاع الكهرباء في العراق تحديات متراكمة تتعلق بالإنتاج والنقل والتوزيع وتزايد الطلب وتطوير البنية التحتية وتوفير الوقود وكفاءة الإدارة والتخطيط، ولا يمكن فهم هذه التحديات من زاوية فنية واحدة أو اختزالها في نقص محطات التوليد وحده بل ينبغي تحليلها ضمن إطار السياسات العامة التي وجهت إدارة القطاع . فمن المنظور القانوني والمؤسسي تبرز أهمية وضوح الصلاحيات وتكامل الأدوار بين الجهات المعنية ومن المنظور السلوكي يصبح ضرورياً قياس كفاءة الأداء ومدى تنفيذ الخطط ومقارنة النتائج بالأهداف المعلنة. أما المنظور ما بعد السلوكي فيضع المواطن وجودة الخدمة وعدالة توزيعها في صلب التقييم ويضيف المنظور البيئي ضرورة التفكير في أمن الطاقة واستدامة الموارد وتنويع مصادر الإنتاج .وهنا يبرز السؤال الجوهري : هل تكمن المشكلة في صياغة السياسات أم في تنفيذها أم في ضعف المتابعة والتقييم أم في تداخل هذه العوامل جميعاً ؟.. إن الإجابة العلمية تتطلب الرجوع إلى البيانات والوثائق والخطط والنتائج الفعلية بعيداً عن التفسيرات العامة غير المدعومة بالأدلة.. فالإصلاح يبدأ من السياسات العامة ويمكن القول :
إن إصلاح قطاع الكهرباء لا يتحقق بزيادة الإنفاق أو إعلان الخطط وحدهما بل يحتاج إلى سياسة عامة واضحة الأهداف تستند إلى بيانات دقيقة وتحدد المسؤوليات وتضمن التنسيق بين المؤسسات وتخضع للتقييم والمساءلة .
فالمعيار الحقيقي لنجاح السياسات العامة ليس ما تتضمنه من وعود وإنما ما تحققه من نتائج، وفي قطاع الكهرباء تحديداً تتمثل الغاية في تحويل القرارات والخطط إلى خدمة مستقرة وكفوءة ومستدامة تلبي احتياجات المواطنين وتدعم التنمية الاقتصادية، ومن هنا فإن فهم أزمة الكهرباء يبدأ من فهم السياسة العامة التي تديرها وينطلق الإصلاح الحقيقي من مراجعة القرار وآليات تنفيذه وقياس أثره على أرض الواقع .