
ما الذي يحدث لنا وكيف وصلنا الى مرحلة اصبحت فيها أسرار البيوت مادة متاحة للنشر واوجاع العائلات مشاهد مفتوحة امام جمهور لا يعرف الحقيقة كاملة ولا يدرك حجم الاذى الذي قد تتركه كلمة او صورة او مقطع عابر.. ما دفعني الى كتابة هذا المقال ليس خلافا عابرا ولا رغبة في توجيه الاتهامات بل مفارقة تستحق التأمل والتوقف عندها طويلا.
أحيانا حين اكتب مقالا صحفيا اتردد في نشره واعيد النظر في بعض عباراته لا لان الفكره لا تستحق الطرح بل لأنني اتساءل هل تصلح هذه الجرأة للنشر وهل يمكن ان تتسبب بعض الكلمات في حرج لأحد، وهل ينبغي ان اختار مفرداتي بعنايه اكبر حتى لا اتجاوز حدود اللياقة والمسؤولية.. لكنني امام هذا التردد المهني والاخلاقي اجد نفسي امام سؤال اكبر: إذا كنا نتردد في نشر مقال قد يسبب بعض الحرج فكيف اصبح البعض لا يتردد في كشف اسرار البيوت وتعريتها امام الملأ وتحويل ما كان يوما اشبه بالصندوق الاسود الى مادة متاحة لكل عابر سبيل، كيف نخشى حرج الكلمة في مقال ولا نخشى انكشاف بيت بأكمله أمام الناس؟
هنا تبدأ الحكاية وهنا تكمن المفارقة التي تستحق ان نضعها تحت مجهر المجتمع.. لقد كانت البيوت على اختلاف احوالها تحتفظ بأسرارها خلف ابوابها، لم تكن الحياة الاسرية خالية من الخلافات ولم تكن العلاقات الانسانية مثالية، لكن كانت هناك حدود للخصوصية ومساحة من الحرمة الاجتماعية تجعل ما يحدث داخل البيت شأنا لا يعرض بالضرورة على الملأ، كان البيت اشبه بالصندوق الاسود يحمل تفاصيل الحياة واسرار العلاقات ولحظات الضعف ومواقف الغضب، واحيانا اخطاء لا يعرفها إلا اصحابها ولم يكن معنى ذلك ان كل ما يحدث داخله صحيح او ان الظلم ينبغي ان يستر بل ان للخصوصية مكانتها وللمعالجة الحكيمة طرقها وللكرامة الانسانية حقها.
أما اليوم فقد تغير المشهد، فبضغطة زر يمكن ان يتحول خلاف عائلي الى قضية يتداولها الالاف وان يصبح نزاع بين زوجين مادة للتعليقات وان تنشر تفاصيل كان ينبغي التعامل معها بحكمة ومسؤولية، فتتحول منصات التواصل الاجتماعي الى محاكم مفتوحة يصدر فيها الناس احكامهم قبل ان يعرفوا الوقائع وينحازون الى رواية قبل ان يسمعوا الروايات الاخرى، اصبح الهاتف شاهدا والمنشور محضرا والتعليق حكما والاعجاب تصويتاً والمشاركة وسيلة لتوسيع دائرة الفضيحة.. لكن من منح هؤلاء حق المحاكمة ومن قال ان كل ما يصل الى هواتفنا يستحق النشر وهل اصبحت القدرة على كشف الاسرار دليلا على الشجاعة أم ان الشجاعة الحقيقية تكمن احيانا في ضبط النفس وحفظ الكرامة والتعامل مع الازمات بعيدا عن الاستعراض؟
إنني لا اكتب دفاعا عن الظلم ولا ادعو الى اسكات المتضررين او منعهم من طلب المساعدة والانصاف، فهناك حالات يكون فيها كشف الحقيقة ضرورة لحماية الانسان، وهناك مظالم لا يجوز ان تتحول فيها الخصوصية الى ستار يحمي المعتدي.. لكن ثمة فرقا كبيرا بين كشف حقيقة لحماية مظلوم وبين نشر الاسرار بدافع الانتقام او التشهير او استدرار التعاطف وجمع المشاهدات.. فرق بين ان تطلب العدالة وان تجعل من حياة الآخرين عرضا مفتوحا امام جمهور لا يعرف من الحقيقة إلا ما قدم له.. وهنا يجب ان نسأل: هل كل من نشر تفاصيل خلافه يبحث عن حل وهل كل من كشف اسرار بيته يريد انصافا ام ان بعضنا اصبح يبحث عن جمهور يصفق له ولو كان الثمن كرامة انسان آخر؟
المؤلم ان آثار النشر لا تتوقف عند لحظة التفاعل فالمحتوى الذي يراه صاحبه مجرد منشور قد يبقى متداولا وتظل آثاره حاضرة في حياة اشخاص لم يختاروا ان تصبح خصوصياتهم شأنا عاما، وقد تمتد تبعاته الى الابناء والاقارب وتترك جروحا اجتماعية ونفسية لا تمحوها سرعة الانتقال الى موضوع جديد، فالناس تنسى المنشور حين تجد موضوعا آخر يشغلها لكن اصحاب الحكاية قد يظلون وحدهم في مواجهة نتائجه.. وهنا تكمن المأساة ان يتحول وجع الانسان الى ترفيه عابر للآخرين وان تصبح كرامته ثمنا لمشاهدات لا يتذكرها احد بعد ايام.. وإذا كان الصحفي او الكاتب يراجع عباراته ويزن كلماته ويفكر في اثر ما ينشره فمن باب اولى أن يتوقف كل من يريد نشر اسرار بيته ليسأل نفسه ما الذي سأحققه من هذا النشر وهل ابحث عن حل ام ابحث عن ادانة الطرف الآخر امام الناس، وهل اريد استعادة حقي ام اريد أن اجعل من الطرف الآخر مادة للتشهير؟
إن الكلمة مسؤولية والصورة مسؤولية والنشر مسؤولية وليس كل ما يعرف يقال، وليس كل ما يحدث يعرض وليس كل ما يثير فضول الناس يستحق ان يتحول الى محتوى.
لقد باتت الحاجة ملحة الى استعادة التوازن بين حق الانسان في طلب الانصاف وحقه في الخصوصية، وبين حرية التعبير والمسؤولية عن نتائج النشر، فالمجتمع الذي يفقد احترامه لخصوصية افراده لا يخسر اسرار البيوت وحدها بل يخسر شيئا من الثقة والامان اللذين تقوم عليهما العلاقات الانسانية.. فإذا كان الكاتب يخشى ان يسبب مقال له بعض الحرج فمن يحمي البيوت حين تصبح اسرارها مباحة وتفتح ابوابها امام الجميع بلا تردد؟
هذا هو السؤال الذي دفعني الى الكتابة، وهو السؤال الذي ينبغي ألا نتهرب من مواجهته لان البيوت ليست مسارح والخلافات ليست عروضا والكرامة الانسانية ليست سلعة تعرض في سوق المشاهدات، ولان الصندوق الاسود مهما احتوى من اسرار واخطاء وحكايات لا ينبغي أن يتحول الى ملكية عامة لمجرد أن أحدهم قرر فتحه.