
في عالم الفنون التشكيلية تتعدد الخامات وتختلف طرائق التعبير لكن الطين يظل واحداً من أكثر المواد التصاقاً بذاكرة الإنسان وحضارته فهو ليس مجرد مادة تتشكل بين الأصابع، بل حكاية تمتد من أعماق الأرض إلى فضاءات الجمال وتحمل في ثناياها آثار التاريخ وروح المكان وملامح الإنسان. وفي العراق حيث شهدت حضارات سومر وبابل ازدهاراً مبكراً لفنون الفخار والخزف تبدو هذه المادة أكثر من مجرد اختيار فني، إذ تتحول إلى صلة حية بين الماضي والحاضر وإلى لغة قادرة على استعادة الذاكرة الحضارية برؤية معاصرة.
من هذا العالم تنطلق تجربة الخزافة العراقية سما عبد السلام إبراهيم حمودي المعروفة في الوسط الفني باسم سما الجبوري التي وجدت في الطين فضاءً للتعبير عن أحاسيسها وأفكارها وطموحاتها. وقد بدأت رحلتها الفنية من معهد الفنون الجميلة للبنات وتواصلت عبر الدراسة الأكاديمية والمشاركات الفنية وصولاً إلى تحقيق المركز الثاني في معرض الشباب للفنون التشكيلية عام 2023.
* كيف تقدمين نفسك للقارئ وما اللحظة التي شعرت فيها بأن الفن أصبح جزءاً أساسياً من حياتك؟
ــ أحمل اسمي الكامل سما عبد السلام إبراهيم حمودي في الأوراق الرسمية والوثائق الأكاديمية وهو اسم يعبر عن امتدادي العائلي وجذوري الأولى أما في الوسط الفني فقد اخترت اسم سما الجبوري ليكون هويتي الفنية وبصمتي التي أطل من خلالها على الجمهور. أما علاقتي الحقيقية بالفن فقد تبلورت خلال سنوات المعهد حين وجدت في الكتل الطينية والخزف ملاذاً آمناً للتعبير عما تعجز الكلمات أحياناً عن قوله. عندها أدركت أنني لا أريد أن أكون عابرة في هذا العالم بل أطمح إلى أن أصنع من الطين طريقاً أترك من خلاله أثراً فنياً يحمل هويتي وروح العراق.
* كيف بدأت الرحلة ؟
ــ بدأت الرحلة الفعلية عندما التحقت بمعهد الفنون الجميلة للبنات وهناك تحولت لقاءاتي الأولى مع الخامات إلى شغف حقيقي. وكان للأستاذ والخزاف الكبير سيف الخليفة فضل مهم في توجيهي وتعليمي أسرار هذا الفن ومتابعة خطواتي الأولى. في البداية تعرفنا إلى فنون متعددة لكن الطين امتلك سحراً خاصاً جذبني إليه أكثر فأكثر. لقد شدني ما يجمعه من تناقضات بين الصلابة والهشاشة وبين الماء والنار وبين الليونة والثبات حتى أصبح لغة تفكيري الأولى ووسيلتي المفضلة للتعبير. ولو أتيحت لي فرصة الاختيار من جديد فسأعود إلى الخزف لأنه أصبح جزءاً من روحي.
* حققت تقدماً دراسياً وتخرجت ضمن المراتب المتقدمة فكيف انعكس ذلك على تجربتك الفنية؟
ــ التفوق الدراسي يمنح الفنان أساساً معرفياً مهماً لكنه لا يمثل سوى مفتاح لباب واسع يحتاج إلى المزيد من العمل والبحث.
لقد تعلمت خلال الدراسة أصول الخزف وتقنيات البناء بفضل أساتذتي وتشجيعهم ومتابعتهم. أما اليوم فأشعر بأنني انتقلت من مرحلة تلقي المعرفة إلى مرحلة البحث عن هويتي الخاصة. أحاول الجمع بين الأساس الأكاديمي وشجاعة التجريب لأن البصمة الفنية لا تتشكل بقرار سريع بل تنمو مع الخبرة والمشاركة في المعارض والاطلاع على التجارب الأخرى والتأمل في تفاصيل الحياة. وكلما تراكمت هذه الخبرات اقتربت أكثر من لغة بصرية وجمالية أستطيع أن أعبّر من خلالها عن نفسي.
* كيف تصفين علاقتك بالطين أثناء العمل وهل تفرضين عليه الشكل الذي تريدينه أم تتركين للخامة مجالاً للمفاجأة؟
ــ علاقتي بالطين وجدانية وحميمة وأشبه بعلاقة الكاتب بورقته البيضاء أو الأم بوليدها. لا أتعامل معه بوصفه مادة صامتة أفرض عليها شكلاً بالقوة بل أحاول الإنصات إلى لينه واستجابته والتفاعل مع ما يقدمه لي أثناء التشكيل. أحياناً تفرض تشققات الجفاف أو نتائج الحرق مسارات جمالية لم تكن موجودة في مخيلتي. وهذه المفاجآت تجعل العمل مغامرة حقيقية يتبادل فيها الفنان والخامة التأثير.
* كيف تولد الفكرة الخزفية وما المراحل التي تمر بها حتى تتحول إلى عمل فني مكتمل؟
ــ غالباً ما تبدأ الفكرة من إحساس داخلي أو مشهد عابر في شوارع بغداد أو تأمل في التراث الإنساني والحضاري وقد تستلهم من ألم إنساني أو فرحة طفولية أو حالة وجدانية أعيشها. عندما تتضح الفكرة في المخيلة أبدأ برسم تصورات أولية واسكتشات على الورق ثم أدرس التكوين وأفكك الكتلة إلى عناصرها البصرية. بعد ذلك تبدأ المرحلة العملية بإعداد الطين وعجنه للتخلص من الهواء ثم بناء القطعة وتشكيلها. ولا تنتهي الرحلة عند اكتمال الشكل بل تتواصل عبر التجفيف البطيء والحرق الأولي والتزجيج ثم الحرق النهائي. وكل مرحلة تحتاج إلى عناية ودقة لأن أي خلل يمكن أن يؤثر في النتيجة النهائية.
* ما الذي تمثله النار في تجربتك وهل حدث أن خرج عمل من الفرن مختلفاً تماماً عما خططت له؟
ــ النار هي الاختبار الأخير والحاسم في فن الخزف ففيها تتغير الخامات وتثبت الألوان وتظهر نتائج الجهد الذي بذله الفنان. وقد خرجت لي أعمال مختلفة عما تصورتها قبل الحرق. في البدايات قد يشعر الفنان بخيبة أمل عندما لا تتطابق النتيجة مع الصورة التي رسمها في ذهنه لكن الخبرة علمتني أن أنظر إلى هذه المفاجآت باعتبارها دروساً مهمة.
* هل تميلين إلى الخزف الفني التعبيري أم إلى القطع الخزفية التي تجمع بين الجمال والمنفعة؟
ــ يمتلك الخزف قدرة مميزة على الجمع بين الجمال والوظيفة ولكل اتجاه خصوصيته ومتعة العمل فيه. لكنني أميل أكثر إلى الخزف الفني التعبيري الذي يخاطب العين والفكر ويحمل قصة أو أبعاداً فلسفية. ومع ذلك أقدر القطع الوظيفية التي تدخل في حياة الإنسان وتحافظ على ملامح من تراثه الشعبي والتاريخي. إن التراث العراقي غني بالمفردات التي يمكن استلهامها مثل الشناشيل البغدادية والأهوار والملوية والثور المجنح.
* ما الذي يجعل الخزف العراقي متميزاً عن غيره في نظرك؟
ــ يحمل الخزف العراقي روحاً مرتبطة بجذور التاريخ الحضاري الإنساني. فعندما أعمل بالطين أشعر بأن أصابعي تلامس ذاكرة آلاف السنين المحفورة في أرض وادي الرافدين. لكن الاستفادة من هذا الموروث لا تعني تكرار الأشكال القديمة أو الاكتفاء باستعادة الماضي كما هو.
إن التراث طاقة حية يمكن للفنان أن يستلهم منها المعاني والرموز والأعماق الإنسانية مع الحفاظ على لغته التشكيلية المعاصرة. وما أطمح إليه هو أن أقدم أعمالاً تستند إلى روح البيئة العراقية لكنها تنفتح في الوقت نفسه على التجديد والابتكار وتخاطب الإنسان أينما كان.
* ماذا تعني لك مشاركتك الأولى في معرض خطوات الذي أقيم في كلية الفنون الجميلة بجامعة بغداد عام 2023؟
ــ كانت مشاركتي في معرض خطوات عتبة أولى نحو العالم الفني الأوسع. فقد خرج عملي من حدود التجربة الشخصية إلى فضاء النقد والتقييم الأكاديمي وأصبحت أمام فرصة لاختبار قدرته على التواصل مع الآخرين.
إن المعارض الطلابية والمشاركات المبكرة لا تقتصر أهميتها على عرض الأعمال بل تساعد الفنان على اكتشاف نفسه وكسر حاجز الخوف وبناء جسور التواصل مع الوسط التشكيلي والجمهور المهتم بالفن. لقد كانت تلك التجربة بداية مهمة في مسيرتي ومنحتني دافعاً لمواصلة التعلم والمشاركة.
* كيف تنظرين إلى مشاركاتك اللاحقة وإلى حصولك على المركز الثاني في معرض الشباب للفنون التشكيلية؟
ــ شكلت المشاركات اللاحقة محطات مهمة شعرت خلالها بأن رؤيتي أصبحت أكثر نضجاً وعمقاً. كما أن الاحتكاك بالزملاء والأساتذة يفتح أمام الفنان آفاقاً جديدة ويمنحه فرصة لتطوير أفكاره وتقنياته.
أما الفوز بالمركز الثاني في الكرنفال الفني الخاص بجائزة الفنون التشكيلية للشباب الذي أقيم عام 2023 برعاية دولة رئيس مجلس الوزراء ووزارة الثقافة والسياحة والآثار فقد كان لحظة فارقة في مسيرتي المبكرة.
لقد منحني التكريم حافزاً أكبر للعمل وعدم الاكتفاء بما تحقق. فالجائزة الحقيقية ليست في الشهادة أو المرتبة وحدهما بل في قدرة الفنان على تحويل هذا التقدير إلى طاقة تدفعه نحو أعمال أكثر نضجاً وعمقاً.
* ما أبرز التحديات التي تواجه فن الخزف في العراق اليوم؟
ــ على الرغم من عراقة الخزف العراقي فإنه لا يزال يواجه صعوبة في الوصول إلى الجمهور بالمستوى الذي تستحقه هذه التجربة. فكثيراً ما ينجذب المتلقي إلى اللون المباشر في اللوحة التشكيلية من دون أن يدرك تعقيدات الخزف ومراحله الشاقة وقيمته الجمالية والتقنية. نحن بحاجة إلى مساحات عرض متخصصة وفعاليات ثقافية وجماهيرية تخرج بالخزف من حدود المعارض النخبوية إلى البيوت والحدائق والمؤسسات الثقافية. فالقطعة الخزفية ليست مجرد إناء بل يمكن أن تكون عملاً فنياً يحمل روحاً ويمنح المكان جمالاً خاصاً.
* كيف تقيمين حضور الخزافات العراقيات وما الذي تحتاج إليه الفنانة الشابة لتطوير تجربتها؟
ــ ما زلنا بحاجة إلى حضور أوسع للخزافات العراقيات في المشهد التشكيلي. فهذا الفن يحتاج إلى صبر وطاقة روحية وبدنية وقد تواجه الفنانة الشابة صعوبات في الحصول على فرص كافية ومتكافئة. لكنني أؤمن بأن الموهبة والإصرار والشغف تستطيع فتح أبواب كثيرة. وما أتمناه هو أن تتطور بيئة العمل الثقافي باتجاه مزيد من الدعم المؤسسي والتشجيع والحرية حتى تتمكن المواهب النسوية من شق طريقها بثقة واستقلالية.
* كيف تنظرين إلى تأثير البرامج الرقمية والذكاء الاصطناعي وتقنيات التصميم الحديثة على الخزف؟
ــ يشهد العالم تحولات كبيرة في أدوات التصميم والإنتاج وأرى أن الوسائل الرقمية تتيح فرصاً مفيدة لدراسة التكوينات واستلهام أشكال هندسية وعضوية معقدة قبل تنفيذها يدوياً. ويمكن لهذه التقنيات أن توسع خيال الفنان وتساعده على اختبار احتمالات متعددة.
* لو أتيحت لك المشاركة في معرض دولي متخصص بالخزف فما المشروع الذي ترغبين في تقديمه؟
ــ سأحرص على تقديم مشروع يمزج بين روح الموروث الحضاري العراقي والهموم الإنسانية المعاصرة للمرأة. فأنا لا أميل إلى الانغلاق داخل الحدود المحلية ولا أرى أن الانفتاح على الآخر يعني التخلي عن الجذور. بل أؤمن بأن الانطلاق من خصوصية البيئة العراقية يمنح الفنان أساساً غنياً للحوار مع الثقافات الأخرى.
* ما الذي تحتاج إليه المواهب الشابة من المؤسسات الثقافية العراقية؟
ــ نحن بحاجة إلى منظومة متكاملة من الدعم والمتابعة المؤسسية تتيح للفنانين الشباب المشاركة الفاعلة في المعارض المحلية والدولية وتوفر لهم فرص الاحتكاك بالتجارب العربية والعالمية من خلال الورش التخصصية والمنح الفنية. كما أتمنى أن تتبنى المؤسسات الثقافية الطاقات المجتهدة وأن تمنحها الرعاية المستمرة حتى لا تتوقف مسيرتها عند التخرج أو المشاركات الأولى. إن الاستثمار في الفنان الشاب هو استثمار في مستقبل الثقافة العراقية وفي قدرة الفنون على تجديد نفسها والحفاظ على حضورها.
* كيف تتصورين نفسك بعد عشر سنوات وما الحلم الذي تتمنين أن يرتبط باسمك؟
ــ أرى نفسي خزافة أكثر نضجاً تمتلك مشروعاً فنياً متكاملاً وملامح واضحة على المستويين العربي والدولي. وأطمح إلى إقامة معرض شخصي كبير يضم خلاصة تجربتي المتراكمة لكن حلمي لا يتوقف عند.