
* بعد يومين من الاحتفاء بتجربتكم السينمائية في مهرجان «أفلام» بمدينة مرسيليا الفرنسية، كيف تقرأون هذه التجربة، ثم ماذا يعني لكم تخصيص مساحة يومين من المهرجان لاستعادة عرض أفلامكم ومسيرتكم؟
ـ إن يحتفى بسينمائي عربي في مهرجان غير عربي٬ يحمل أهمية ثقافية خاصة، وما يجعل هذه التجربة مختلفة حقاً هو تخصيص يومين من أيام المهرجان لها، وليس مجرد تكريم عابر ينتهي بصعود المكرَّم إلى المسرح وتسلمه ما يسمى درعاً، سواء صُنع في سوق الصفافير أو في سوق الحميدية. فهناك فرق كبير بين أن يُكرَّم المرء في بضع دقائق، وأن تُخصَّص أيام لعرض أفلامه وإتاحة الفرصة للجمهور للتعرف إلى تجربته ومناقشتها. المسألة هنا ليست تكريماً شكلياً، بل اهتماماً فعلياً بتجربة سينمائية تستحق أن تُعرض وتُشاهَد وتُناقَش. وهذا، في تقديري، هو ما يمنح تكريمي في مهرجان مرسيليا حقيقةً أهميةً وهذا ما يسعدني كثيرا.
لقد خصص لي ولتكريمي يومان وليس دقيقتين من وقت المهرجان وكان الإعلان عن التكريم قد كتب بالضوء في باب الصالة التي جرى فيها التكريم والاحتفاء. ليس هذا فحسب، بل وأكثر من هذا فلقد زارتني مديرة المهرجان في هولندا السيدة ماثيلدا قبل المهرجان بستة شهور تقريبا، وتسلمت مني فيلم «الأهوار» النسخة التالفة التي عثر عليها في كومة نفايات «ما تسمى مجازا - دائرة السينما والمسرح» بعد أن تم إحراق عشر نسخ من فيلمي «الأهوار» قياس 35 ملمتر وعشرين نسخة قياس 16 ملمتر، إضافة إلى أكثر من تسع ساعات سينمائية كنت وثقت فيها الحياة الاجتماعية والاقتصادية والفنية الجمالية لأهوار الصحين والجبايش والفهود .. تم إحراق كافة النسخ المصورة سينمائيا والتي قمت بإظهارها وطبعها في «ستوديوهات ميكرو ستامبا في إيطاليا»، كل ذلك قد نفذ حتى لا يبقى فيلم الأهوار ووثائق الأهوار السينمائية شاهدا على جريمة ردم وتجفيف أجمل ما في العراق من أرض ومياه يعود تاريخها إلى أكثر من سبعة آلاف عام امتدادا للحقبة السومرية حقبة الإبداع والحضارة. وقد تم ترميم النسخة التالفة من قبل المهرجان وطبعت عليه الترجمة الفرنسية واعيد طباعة كتابي عن تجربة الأهوار مضافا إليها مقابلة أجريت معي قبل شهور من المهرجان وطبع الكتاب بالعربية والفرنسية والإنكليزية ليكون متاحا لجمهور المهرجان، وقد توزع التكريم على مدى يومين. تم في اليوم الأول عرض فيلم الأهوار وعدد من الأفلام عن فلسطين من أعمالي الكثيرة عن الشعب الفلسطيني، ثم خصص اليوم الثاني لعرض فيلم 22 دقيقة عن حياتي السينمائية وعينات من أفلامي والجوائز التي حصدتها الأفلام. ثم جرى الحوار معي، وقد كلف السينمائي المبدع مهند اليعقوبي أستاذ السينما في أكاديمية السينما في مدينة خنت في بلجيكا لتوجيه الأسئلة لي وعلى مدى ساعتين لاستطلاع قراءتي المعرفية والتاريخية عن السينما في العالم منذ تأسيسها وما يجري في كواليسها التاريخية من أحداث انعكست على الحياة الإنسانية «من بين جميع الفنون، السينما هي الأهم – لينين». وبعد ذلك فتح النقاش مع جمهور المهرجان مع الترجمة الفورية من العربية والإنكليزية إلى الفرنسية، شعرت بالامتنان ليس إعجابا بغرور الذات ولكن إعجابا بالعطاء الثقافي الذي عبرت عنه في آخر اللقاء عندما طلب مني كلمة قصيرة عن انطباعي .. قلت لهم كلمتي التي أكررها حيثما أكون «عندما تسقط السياسة يسقط النظام وعندما تسقط الثقافة يسقط الوطن».
* هل شعرتم بأن هذا التكريم يمثل تقديرا شخصيا لمسيرتكم أم أنه يتجاوز ذلك ليكون اعترافا بأهمية مرحلة كاملة من تاريخ السينما العراقية والعربية؟
- أكيد ثمة امتنان لتقدير مسيرتي الثقافية وهي حالة إنسانية أن يشعر الإنسان بأن مسيرته الثقافية قد أثمرت وأثرت .. ولكن هذا التكريم تم تسجيله بكاميرات حرفية وسوف يتحول إلى وثيقة ثقافية مرئية ويتم تعميمها للعالم وستكون الوثيقة الثقافية في عالم السينما وأحدى الكاميرات للمخرج عائد نبعة الذي يتابع حياتي الثقافية وهو ينجز فيلما عني عنوانه «لماذا زرعنا الورد» فالحوار كان شاملا وسلطنا الأضواء على حقائق مرت بها الثقافة السينمائية في تاريخها منذ تحريك الصورة في العام 1894. ولقد مررت مرور الكرام كما يقال على الثقافة السينمائية العراقية لأنها تدعو للأسى الكامل والجارح، بسبب ما تعرض له العراق من الأزمات السياسية في تاريخه المعاصر، ولأنه كان مستهدفا لتهشيم تاريخه العريق، فلم أتوقف عنده كثيراً لأنني لم أكن بصدد تحويل الاحتفاء إلى «مناحة» سياسية أو دينية، كنت أتحدث بعلمية وموضوعية عن الأبعاد الفكرية والفنية الجمالية في عالم السينما، والقيت الضوء على التيارات السينمائية البديلة في البرازيل وأمريكا وبريطانيا وإيطاليا وألمانيا وأيضا الموجة الجديدة في فرنسا التي مثلها جان لوك كودار، والآن رينيه ولوي مال مثلا بتجربة لوي مال في إخراج فيلم «كلكتا» وهي تجربة شجاعة وجريئة في عالم السينما وتندرج ضمن تيار الموجة الفرنسية الجديدة. السينما العربية عموما عدا الاستثناءات هي سينما مشوهة وليست سينما نابعة من الواقع، مع أن السينما بدأت عالميا في فرنسا عام 1894 من قبل الأخوين «لومير» لكن السينما الإيطالية على سبيل المثال قد تجاوزت قدرات السينما الفرنسية مع أهميتها، لأن السينما في إيطاليا ومنذ ظهور السينما الواقعية ثم الواقعية الجديدة قد حققت وأنجزت قراءة الواقع الإيطالي سينمائيا، فكريا، وجماليا.
* عرضت بعض أفلامكم أمام جمهور أوروبي أو مغترب وجمهور عربي أيضا، وأتيحت لكم فرصة الحوار معه.. ما الذي كشفته ردود فعل الجمهور عن الطريقة التي يتلقى بها المشاهد الغربي للأفلام القادمة من العراق؟
- أنا في كل أفلامي أنحو منحى قياسيا في فهمي للسينما وفي كل تجاربي، ليس ثمة فيلم محلي وفيلم عالمي .. هذا خطأ شائع في فهم السينما .. هناك السينما القياسية ولا يوجد تعبير سينما عالمية، أي السينما التي تستخدم مفردات لغة التعبير السينمائية وفق المنهج القياسي للسينما. وطالما السينمائي يدرك الأبعاد في لغة التعبير السينمائية بدءا من كتابة القصة السينمائية والسيناريو السينمائي والحوار مرورا بالكاميرا واستخدامها ومعرفة أبعاد عدساتها، ومعرفة الرسم بالضوء ولغة الصوت والمؤثر والموسيقى فأنك في الجانب الأمين .. وسيكون أبداعك السينمائي في سياق التلقي عالميا. ذلك يسري على الأفلام الوثائقية مثلما يسري على فهم الأفلام الروائية.
* بعد انتهاء المهرجان والاحتفاء والتكريم، ما هي اللحظة التي بقيت عالقة في ذاكرتكم أكثر من غيرها .. وهل ثمة سؤال من الجمهور أعادكم إلى محطة معينة من حياتكم ؟
- اللحظة التي بقيت عالقة في ذاكرتي، أنني ودعت الجمهور وأنا أشعر بالامتنان والرضى عن نفسي .. والحمد لله .. أنني لم أتنازل عن قناعاتي في الحياة وفي الثقافة. وهذه ما ثمنه الحاضرون للمهرجان الذين أعادوني إلى ذاكرتي والتوقف عند محطات ثقافية في حياتي سواء سنوات العمل في العراق وطني، أو في لبنان عربيا وعالميا، وقد أسهبت في شرح الأبعاد الموضوعية، وطبعا منها السياسية التي جعلتني وبحرية أن أسهب في شرح ظروف العمل الثقافية ليس في وطني العراقي فحسب، بل في مجمل بلدان الشرق الأوسط تقريبا، والبلدان العربية بشكل واضح.
* شكل عرض النسخة المرممة من فيلمكم «الأهوار» محطة بارزة في هذا الاحتفاء .. ماذا شعرتم وأنتم تشاهدون الفيلم يعود إلى الشاشة بعد كل هذه السنوات؟
- أكيد كنت متأثرا جدا .. لأنني لم أخسر الفيلم وحده بل خسرت تسع ساعات مدهشة من التصوير الذي وثقت من خلالها حياة أهلي وأبناء شعبي وتاريخهم، شعرت كم أن الفاشية بشعة وسافلة ومنحطة والأكثر بشاعة وسفالة وانحطاطا هم الناس الذين يردحون، وبشكل خاص شرطة الثقافة ..!
* ما الذي يجعل استعادة الأهوار اليوم مهمة ليس على المستوى الفني فحسب بل بوصفها وثيقة بصرية عن العراق وبيئته وتراثه الإنساني؟
- أتذكر في أيام الصبا، أني قرأت في صحيفة عراقية قديمة أن السفير البريطاني في العراق صارح الملك الشاب فيصل الثاني وهو لما يزال تحت الوصاية الملكية .. قال له ما رأيك أن نردم الأهوار العراقية ونحولها إلى أراض صالحة لزراعة أجود أنواع الرز لأن الغرين في تلك المنطقة يصلح أرضا زراعية .. أجابه الملك الشاب فيصل الثاني «أن العراق بدون أهوار ليس عراقا».
* أثيرت في سياق استعادة الفيلم مسألة ضياع النسخ الأصلية وتعرض أرشيفكم السينمائي للتلف، ما الذي يمكن أن تكشفه هذه التجربة عن مصير الذاكرة العراقية وعن مخاطر ترك الأفلام التاريخية من دون حماية؟
- لقد أنقذت في حياتي النضالية السينمائية تاريخ اليمن الذي صوره البريطانيون، أنقذته كاملا من التلف .. وأنقذت نسبيا جانبا من التاريخ الفلسطيني، لأن فلسطين هي تحت الاحتلال، كما أنقذت تاريخ ليبيا وأخيرا تاريخ العراق وبضمنه التاريخ الفاشي الدكتاتوري المخيف والخطير، ووضعته في مكان آمن .. ولكن ليس ثمة من يحميه .. الذي ينبغي أن يشرف على التاريخ الوطني الوثائقي العراقي، سواء المرئي منه أو المسموع أو المدون المكتوب ينبغي أن يتحصن بالشرف العائلي والشرف الوطني .. هاتان الصفتان إضافة إلى القدرة الإبداعية .. بدون هذه الصفات فأن التاريخ الوثائقي أو ما نطلق عليه الأرشيف .. هو عرضة للمساومة .. للبيع .. للشراء .. للنهب .. والسرقات المحلية والدولية .. تماما مثلما تمكنت «المسز بيل» من سرقة كل الرقم والألواح الطينية الخطيرة التي تركها السومريون قبل سبعة آلاف سنة.. ليس الحديث اليوم بذي نفع، لأن كل ما يقال سوف ينسى بعد أن تطوى صفحات الجريدة..! إذا كان ثمة حكومة وطنية فينبغي عليها الوقوف بحزم إزاء ما يتعرض له الأرشيف المرئي من حيف يطال التاريخ الوطني العراقي ..!
* هل تعتقدون أن المؤسسات الثقافية العراقية أدت إلى ما ينبغي عليها حفظ الأرشيف السينمائي الوطني، أم هناك حاجة إلى مشروع وطني جاد لأنقاذ ما تبقى من ذاكرة السينما العراقية أو بالأحرى من ذاكرة العراق؟
- ليس لي سوى أن أضحك .. ولكنه ضحك كالبكاء..!
* انتقلت تجربتكم السينمائية من العراق إلى لبنان، وأرتبط جزء مهم منها بالقضية الفلسطينية .. كيف تبلورت هذه العلاقة، ومتى أدركتم أن السينما يمكن أن تكون أكثر وسيلة للتعبير الفني؟
- منذ بداياتي الثقافية المسرحية والسينمائية وأيضا في مجال التأليف والكتابة كنت أدرك هذه الحقيقة ولذلك اخترت السينما كأداة تعبير، ليس لأنها وسيلة لتسليط الضوء على شخصي أو وضعي في دائرة الضوء .. لا .. لست في مسار الشهرة ولست راغبا فيها .. الشهرة سهلة، الصعب هو الأبداع .. ماذا قدم هتلر، موسوليني، منغستو هيلا ميريام، صدام حسين، باتستا، جعفر النميري، وسواهم، رحلوا في مزابل القبور وبقي المبدعون أحياءا وأن رحلوا شابلن، جايكوفسكي، بتهوفن، موتزارت، البير كامي، سارتر، فرانسواز ساغان، رمسكي كورساكوف، بيكاسو، فايدا، أرثر ميلر، الحسن بن الهيثم، المتنبي، الجواهري، أحمد الصافي النجفي، عمر الخيام، الرسول الكريم محمد، علي بن أبي طالب، السيد المسيح، يحيى زكريا، وليم شكسبير، تشيخوف، يليا كازان، جين كيلي، أودري هيبورن، فيلليني، بازوليني، دي سيكا، مارلون براندو، جان لوك كودار، آلان رينيه .. وكل العظماء .. قائمة لن تنتهي، وينبغي أن توضع أسماؤهم على مسلة من الضوء وتكتب بالذهب، وليذهب الدكتاتوريون والفاشيون إلى مزابل التاريخ..!
* بعد عقود على أنجاز أفلامكم المرتبطة بفلسطين، كيف تنظرون إلى قدرتها في مخاطبة الأجيال الجديدة وهل لا تزال الصورة السينمائية قادرة على التأثير في الرأي العام العالمي؟
- سؤال ينطوي على أهمية مثل بقية الأسئلة المطروحة في هذا اللقاء .. لقد أنتج الفلسطينيون أفلاما عظيمة وذات لغة قياسية وجمالية وصادقة ومتقنة .. ولكن برز في سينما المقاومة الفلسطينية فيلمي «عائد إلى حيفا» وهو الفيلم الروائي الوحيد الذي نفذته عام 1980 وهو حتى كتابة هذه المقابلة واليوم بالذات طلبت جامعة كاليفورنيا أن تضع فيلمي هذا «عائد إلى حيفا» في أرشيف الجامعة ليكون درسا في ثقافة الصراع السياسي لطلبة الجامعة وأيضا كعينة تعبيرية ثقافية لدروس الطلبة في الجامعة .. وقبل أكثر من عشر سنوات طلبت مني جامعة براون يونيفرستي نفس الطلب لأن أسمح لهم بأن يكون فيلمي «عائد إلى حيفا» درسا ثابتا للطلبة وكان هذا أيضا مبعث مسرتي .. نعم ستبقى السينما هي الأهم مهما تغيرت وسائل التنفيذ التقنية.
* كيف أثرت دراستكم المسرحية وأصولكم الثقافية في المسرح في تكوين لغتكم السينمائية، سيما في بناء المشهد والتعامل مع شخوص الفيلم ولغة التعبير البصرية؟
- هناك الكثير الكثير من المخرجين السينمائيين، ولكن أهمهم، الذين درسوا المسرح وخبروا البناء الدرامي وبناء الشخصية، لأن المسرح لغة قائمة في كثير من مفرداتها على دراسة علم النفس . عندما تنظر إلى أفلام السويدي بيرغمان أو الأمريكي إيليا كازان أو البولندي فايدا، وغيرهم من المخرجين الذين خبروا لغة المسرح تعرف بأن أعمالهم السينمائية تنطوي عمق المعالجة وقوة التعبير الفني والجمالي، المسرح هو المدرسة السينمائية العظيمة للسينمائيين المبدعين.
* لو أتيحت لكم اليوم فرصة أنجاز فيلم جديد عن العراق فما الموضوع الذي ستختارونه ..؟
- فيلم «الحسين - عليه السلام» .. استغرقت في دراسته وكتابة السيناريو سبع سنوات بإشراف سماحة الإمام الراحل محمد مهدي شمس الدين رئيس المجلس الشيعي الأعلى في لبنان، ولكن رحيله عن الحياة عطل أنتاج الفيلم، وحين سقط النظام الفاشي في العراق وعدت إلى وطني وحاولت إنتاج الفيلم .. وجدت التاريخ العظيم للإمام الحسين وقصته الحقيقة مشروطة بالخرافات، وعدت من حيث أتيت ..!