رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
في مواجهة الاستغلال الطبقي والتفاوت الصارخ ....ما الذي علينا أن نفعل


المشاهدات 1063
تاريخ الإضافة 2026/10/19 - 9:52 PM
آخر تحديث 2026/10/20 - 1:12 AM

تأليف: ليو تولستوي (Leo Tolstoy) – الكاتب والمفكر الروسي، أحد أعظم الروائيين في التاريخ، الذي تحول في أواخر حياته إلى فيلسوف أخلاقي
يُقدم هذا الكتاب «الترجمة الأولى» للقارئ العربي لأحد أهم أعمال تولستوي الفكرية، وهو كتاب غير روائي كتَبه الكاتب بعد أزمة روحية عميقة. ينطلق تولستوي من تجربة شخصية مؤلمة: انتقاله من حياة الريف الهادئ إلى مدينة موسكو، حيث صُدم بالفقر المدقع الذي يقبع في ظل الرفاهية الصارخة للأغنياء. لم يكتفِ بالوصف، بل شرع في تحليل جذور هذه الظاهرة، وطرح سؤالاً وجوديًا وأخلاقيًا حارقًا: في خضم هذا التفاوت، ماذا علينا أن نفعل؟ يتتبع الكتاب رحلة تولستوي من روائي شهير إلى مصلح أخلاقي، مقدماً نقداً لاذعاً للنظام الاجتماعي، وداعياً إلى تحول جذري في الضمير الفردي وأسلوب الحياة. 
يُعد كتاب «ماذا علينا أن نفعل؟» واحداً من أكثر أعمال الكاتب الروسي ليو تولستوي تأثيراً في مجال الفكر الأخلاقي والاجتماعي، وهو يمثل نقطة تحول حاسمة في مسيرته الفكرية من الروائي العبقري إلى المصلح الأخلاقي والناقد الاجتماعي الجذري. يرتكز الكتاب على سؤال أخلاقي أساسي: كيف يمكن لإنسان أن يعيش حياة أخلاقية بينما يحيط به الفقر والظلم؟ ويناقش من خلاله قضايا محورية تتعلق بمسؤولية الأغنياء تجاه الفقراء، ونقد التفاوت الطبقي والاستغلال الاقتصادي، وقيمة العمل اليدوي وكرامة الإنسان، ورفض حياة الترف والاستهلاك المفرط، والدعوة إلى البساطة والتضامن والمحبة. يقدم تولستوي في هذا العمل رؤية إنسانية عميقة تتجاوز التحليل الاقتصادي إلى نقد أخلاقي شامل للضمير الفردي والنظام الاجتماعي بأكمله.
يكمن جوهر الكتاب في أن الرفاهية المفرطة للطبقات العليا والفقر المدقع للطبقات الدنيا ليسا ظاهرتين منفصلتين، بل وجهان لعملة واحدة، مرتبطان ارتباطاً عضوياً. يصل تولستوي إلى نتيجة مفادها أن «ثروتنا» هي أساس الفقر. يرفض تولستوي فكرة أن الإحسان الفردي أو الإصلاحات المؤسسية يمكنها معالجة هذا التفاوت، لأن المشكلة ليست عَرَضية، بل بنيوية وتتعلق بطبيعة النظام الاجتماعي والأخلاقي بأكمله. الحل، بحسبه، لا يكمن في الثورة السياسية، بل في ثورة في النفس والضمير، تقوم على نبذ الترف، والعودة إلى البساطة، والعمل اليدوي كقيمة أخلاقية وروحية.
المحاور الأساسية
صدمة الفقر في موسكو
يبدأ تولستوي بسرد تجربته المباشرة في موسكو. بعد نجاحاته الأدبية، وجد نفسه يعيش حياة مترفة، لكنه صُدم بالمشاهد المروعة للفقراء في شوارع المدينة. يروي زيارته إلى مأوى للفقراء، حيث حاول تقديم المساعدة لكنه صُدم بعدم فاعلية الإحسان الفردي، وأدرك أن الصدقة لا تغيّر البنية التي تنتج الفقر. هذه التجربة كانت نقطة تحول، بدأ وعيه بما يمكن تسميته «المسألة الاجتماعية».
.نقد الزيف الأخلاقي للمجتمع الراقي
ينتقل تولستوي من الوصف إلى النقد الفلسفي، مُبيّناً أن المجتمع الأرستقراطي يعيش في نظام أخلاقي مقلوب؛ حيث تُعتبر الراحة والثراء فضيلة، والعمل اليدوي عاراً. ينتقد الطبقة المثقفة التي تبرر هذا التفاوت باسم «التقدم» أو «التمدّن». ويكشف مفارقة لاذعة: عندما يحاول الأغنياء «مساعدة الفقراء»، فإنهم في الواقع يرسّخون وضعهم كأوصياء، فيتحول العطاء إلى أداة للهيمنة الرمزية. يستنتج تولستوي أنه لا يمكن للإنسان أن يكون فاضلاً وهو يعيش على استغلال الآخرين، ويدعو إلى إلغاء كل مظاهر الترف التي تقوم على سرقة عمل الآخرين.
.فشل الإصلاحات والمؤسسات التقليدية
يظهر هنا الجانب الأكثر راديكالية في فكر تولستوي، حيث ينتقد الكنيسة الأرثوذكسية لتحالفها مع الدولة والنظام الطبقي، وتخليها عن رسالة المسيح الأصلية. يهاجم رجال الدين الذين يعيشون في الرفاهية بينما يوعظون الفقراء بالصبر. يرى أن التعليم، الجيش، والبيروقراطية هي أدوات لإدامة الخضوع وليست للتحرر. المفارقة التي يكشفها هي أن المؤسسات التي تزعم إصلاح المجتمع هي نفسها مصدر العطب الأخلاقي. يخلص إلى أن الخلاص لا يأتي من العقيدة أو الطقوس، بل من الممارسة الأخلاقية اليومية.
طريق الخلاص الفردي – البساطة والعمل
في هذا الجزء، يتخذ الكتاب طابعاً تأملياً روحيّاً. تولستوي لا يدعو إلى ثورة سياسية، بل إلى ثورة في النفس. يطرح ثلاثة مبادئ للخلاص هي: الحق (Truth)، التواضع (Humility)، والعمل (Labor). العمل، بحسب تولستوي، ليس مجرد واجب اقتصادي، بل صلاة جسدية تجمع بين الجسد والروح، وأن التغيير الأخلاقي الفردي يمكن أن يُحدث تغييراً جماعياً بالتدريج، لأنه يخلق نموذجاً يُحتذى به.
.نقد «الرق الحديث»
يصف تولستوي ما يسميه «الرق الحديث» الذي يُمارس عبر آليات المال والعسكرة والضرائب. يرى أن الطبقات العليا تستغل عمل الفقراء عبر نظام معقد من «العنف الحكومي»، وأن المال هو الوسيلة التي تتيح لهذا الاستغلال الاستمرار. يرفض تولستوي فكرة «تقسيم العمل» التي تستخدم لتبرير هذا الوضع غير الطبيعي.
يُعد كتاب «ماذا علينا أن نفعل؟» من الكتب الفكرية المهمة لتولستوي، حيث يمثل نقطة تحول في مسيرته الفكرية من الروائي إلى المصلح الأخلاقي. في السياق العربي، تُعتبر هذه الترجمة الأولى للكتاب، مما يجعله إضافة نوعية للمكتبة العربية. يرى النقاد أن الكتاب يُشكّل جسراً بين الفكر المسيحي الأخلاقي وفلسفات التحرر الإنساني الحديثة. وقد لاقت أفكار تولستوي حول العمل والرفاهية والفقر صدى واسعاً، ليس فقط في الأوساط الدينية، بل أيضاً بين مفكري اليسار والحركات الإنسانية. من ناحية أخرى، يرى البعض أن دعوته إلى «البساطة الطوعية» ونبذ الترف هي رؤية طوباوية يصعب تحقيقها على نطاق مجتمعي واسع، كما أن موقفه الرافض للمؤسسات قد يُعتبر متطرفاً. يقدم الكتاب رؤية إنسانية عميقة تتجاوز التحليل الاقتصادي إلى نقد أخلاقي شامل. رسالة تولستوي الأساسية هي أن المشكلة ليست فقط في النظام، بل في الإنسان الذي يقبل العيش في رفاه على حساب الآخرين. وهو بذلك يدعو إلى تحمل المسؤولية الفردية المباشرة، بعيداً عن إلقاء اللوم على الدولة أو المؤسسات وحدها. يرى أن الترف يُضعف الطاقة الأخلاقية لأنه يفصل الإنسان عن الواقع الحي وعن إنسانيته. الكتاب هو دعوة لإعادة تعريف «التقدم» ذاته: ليس التقدم في التكنولوجيا والثروة، بل التقدم في الأخلاق والتواضع والعدالة.
«ماذا علينا أن نفعل؟» هو بيان فلسفي-روحي جذري، ينتقد أسس المجتمع الحديث القائم على الاستغلال الطبقي والتفاوت الصارخ. ينطلق تولستوي من تجربة شخصية مؤلمة ليصل إلى نتيجة مفادها أن الرفاهية المفرطة والفقر المدقع وجهان لعملة واحدة. يرفض الحلول السياسية أو المؤسسية، ويدعو بدلاً من ذلك إلى ثورة في الضمير الفردي، تقوم على نبذ الترف، والعمل اليدوي كواجب أخلاقي، والبساطة الطوعية. بهذا المعنى، يقدم الكتاب بديلاً أخلاقياً للحداثة الغربية، ويظل سؤال تولستوي المحوري: «ماذا علينا أن نفعل؟» – سؤالاً مفتوحاً يخاطب كل إنسان في كل زمان.
 سؤال للنقاش
يرى تولستوي أن جذور الفقر والتفاوت الاجتماعي لا تكمن في السياسة أو الاقتصاد فقط، بل في أخلاقياتنا اليومية وقبولنا بالعيش في رفاه على حساب الآخرين. وهو يدعو إلى تغيير جذري في نمط الحياة، يبدأ بالتخلي عن الكماليات والعمل اليدوي.
في عالمنا العربي اليوم، حيث تتفاوت مستويات الدخل بشكل كبير، وتزداد ثقافة الاستهلاك والترف انتشاراً، هل يمكن لتطبيق فلسفة تولستوي في البساطة والعمل اليدوي أن يُحدث فرقاً ملموساً في معالجة الفقر والظلم الاجتماعي؟ أم أن الحل يكمن في تغيير الأنظمة السياسية والاقتصادية أولاً، كما ترى التيارات اليسارية والإصلاحية؟
 


تابعنا على
تصميم وتطوير