رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
حين تصبح المعرفة كتاباً


المشاهدات 1068
تاريخ الإضافة 2026/10/19 - 9:51 PM
آخر تحديث 2026/10/20 - 1:08 AM

قبل أكثر من ألفي عام، جلس سقراط يناقش في «فيدروس» مشكلة تبدو لنا اليوم غريبة: ماذا يحدث للإنسان حين تصبح المعرفة مكتوبة؟
يروي أفلاطون في قصة من تأليفه أن سقراط استحضر اسطورة الإله المصري «تحوت»، الذي قدّم الكتابة إلى الملك «ثاموس». رأى تحوت في الكتابة وسيلة لحفظ الحكمة، بينما خشي الملك أن يعتمد الناس على الكلمات المكتوبة فيضعف تدريبهم على التذكر، وأن يحمل الكتاب للقارئ مظهر المعرفة من دون الحوار الذي يختبر الفهم ويكشف الخطأ.
وكان الاعتراض الأعمق متعلقًا بطبيعة الكتاب نفسه: النص المكتوب لا يستطيع أن يجيب عن سؤال، ولا أن يغيّر شرحه بحسب القارئ، ولا أن يدافع عن نفسه حين يُساء فهمه. بالنسبة إلى سقراط، كان الحوار الحي مجالًا أفضل لامتحان الأفكار وتكوين المعرفة.
ثم مرّت قرون طويلة، وأصبحت الكتابة والطباعة جزءًا أساسيًا من الحياة الثقافية.
ومع اتساع انتشار الكتب وارتفاع معدلات القراءة في أوروبا خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، ظهر نوع آخر من القلق: ماذا يحدث حين يصبح الكتاب في متناول الجميع؟
في بريطانيا الفكتورية، دار جدل واسع حول ما ينبغي للناس أن يقرأوه وكيف ينبغي لهم أن يقرأوا. كانت الروايات، خصوصًا، موضع اهتمام شديد. رأى بعض النقاد والمربين أنها قد تؤثر في الأخلاق والخيال والرغبات، وأن القراءة العاطفية المنغمسة قد تجعل القارئ أكثر قابلية لتأثير ما يقرأ. وكانت المخاوف أكثر وضوحًا في الحديث عن النساء والشباب والطبقات التي اتسعت مشاركتها في عالم القراءة.
حتى «الإفراط في القراءة» وُضع تحت المجهر.
كان هناك حديث عن القراءة المتناثرة والعشوائية. قارئ ينتقل من كتاب إلى آخر، يجمع معلومات كثيرة من دون ترتيب أو غاية واضحة. ومع انتشار الكتب وتزايد سهولة الوصول إليها، أصبحت هذه الظاهرة أكثر حضورًا في الثقافة الفكتورية.
أما الروايات الرخيصة والمثيرة التي انتشرت في القرن التاسع عشر ( بني دريفيلز) أو (Penny Dreadfuls) ، فقد غذّت هذه المخاوف أكثر. ارتبطت في بعض الخطابات الأخلاقية بالجريمة والانحراف وإفساد الشباب، وظهرت أيضًا محاولات لتحديد ما يصلح أن يقع في أيدي القراء، ولا سيما القارئات الشابات.
وهنا تظهر مفارقة جميلة في تاريخ القراءة:
كلما اتسعت دائرة المعرفة، اتسعت معها المخاوف من أثر المعرفة.
سقراط عاش في لحظة انتقال من ثقافة شفوية تعتمد على الذاكرة والحوار إلى ثقافة تمنح الكتابة دورًا متزايدًا.
والقرن التاسع عشر عاش انتقالًا آخر: من عالم كانت الكتب فيه أكثر ندرة وانتقائية إلى عالم أصبحت فيه المطابع والمكتبات والنشر التجاري قادرة على إيصال كميات هائلة من النصوص إلى جمهور أوسع.
في الحالتين، كان السؤال واحدًا تقريبًا: ماذا تفعل الكلمات بعقل الإنسان حين يصبح الوصول إليها أسهل من أي وقت مضى؟
اليوم تبدو لنا بعض المخاوف القديمة غريبة، لأن الكتاب أصبح من أكثر أدوات التعلم رسوخًا في حياتنا. لكن التاريخ يذكّرنا بأن كل وسيلة جديدة للمعرفة تمر غالبًا بمرحلة من الشك والقلق والتجربة قبل أن تصبح جزءًا مألوفًا من الثقافة.وربما لهذا السبب يستحق فعل القراءة نفسه شيئًا من التأمل.فالكتاب لا يغيّر الإنسان بمجرد وجوده على الرف. ما يصنع الفارق هو ما يقرأه، وكيف يقرأه، وما الذي يفعله بالأفكار التي يجدها بين صفحاته.
 


تابعنا على
تصميم وتطوير