رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
من احتكار الصوت إلى إلغاء الآخر


المشاهدات 1060
تاريخ الإضافة 2026/10/18 - 9:47 PM
آخر تحديث 2026/10/19 - 1:15 AM

  لم تكن الصراعات السياسية في العراق صراعات على السلطة وحدها، فقد رافقتها معارك أخرى على صورة الخصم في أذهان الناس، وعلى من يمتلك القدرة على رواية الأحداث وتفسيرها وتحديد المسؤول عنها. 
ولعل تأمل تاريخنا السياسي يكشف أن كثيراً من الشخصيات والقوى تعرضت للإلغاء في الوعي العام قبل إقصائها من المشهد السياسي، وأن الإعلام كان حاضراً في صناعة تلك الصورة، سواء عندما احتكرت الدولة صوته أو عندما توزعت منابره بين الأحزاب والقوى المتنافسة، وصولاً إلى فضاء رقمي يصعب فيه أحياناً معرفة من يقف وراء الرسالة التي تصل إلينا.
شهد العراق منذ العهد الملكي صحافة ذات اتجاهات سياسية وفكرية متباينة، لكن التحولات التي أعقبت ثورة 14 تموز 1958 دفعت الخطاب الإعلامي إلى مستويات أشد استقطاباً، إذ أصبحت مفردات الرجعية والخيانة والعمالة والعداء للثورة جزءاً من الصراع على الشرعية السياسية. 
ومع انقلاب شباط 1963 وما أعقبه من صراعات، اتسعت المسافة بين الاختلاف والإقصاء وأصبحت صورة الخصم التي تنتجها الدعاية السياسية أحياناً تمهيداً لتبرير استبعاده والتنكيل به. 
وهنا بدأت تتكرس ظاهرة خطيرة في الثقافة السياسية العراقية، تقوم على تحويل الخلاف في الرأي إلى حكم على وطنية صاحبه وحقه في المشاركة.
ومع ترسيخ حكم حزب البعث، ولا سيما منذ أواخر السبعينيات، أصبح الإعلام جزءاً من منظومة السلطة، تحتكر من خلاله تفسير الأحداث وتقديم صورتها عن المجتمع والدولة، فيما غابت الأصوات المعارضة عن المجال العام داخل العراق. 
وفي المقابل، نشأ إعلام معارض في الخارج، ارتبط بأحزاب عراقية وجهات إقليمية ودولية وقدّم روايات مختلفة عن الواقع العراقي.
 وهكذا عاش العراقيون بين خطاب رسمي لا يسمح بمنافسته داخلياً، وخطابات معارضة تتفاوت في استقلالها ومصالح الجهات الداعمة لها بينما بقيت فرص الوصول إلى معرفة مستقلة محدودة.
جاء عام 2003 لينهي احتكار الدولة للإعلام ويفتح المجال أمام تعددية واسعة في الصحف والإذاعات والفضائيات، غير أن هذا التحول تزامن مع إعادة تشكيل النظام السياسي على أسس حزبية ومكوناتية، فظهرت مؤسسات إعلامية ارتبط كثير منها بالقوى المتنافسة على السلطة، وأصبحت بعض المنابر امتداداً للصراع السياسي بوسائل إعلامية. 
وخلال سنوات العنف الطائفي، اكتسب هذا الخطاب أبعاداً اجتماعية خطيرة، عندما تجاوز استهداف الشخصيات والأحزاب إلى تعميم الاتهامات على جماعات ومناطق وهويات، حتى أصبح الانتماء في بعض الأحيان كافياً لإثارة الشك والاتهام، بصرف النظر عن موقف الفرد أو سلوكه.
ومع تعاقب الحكومات، تطورت أساليب الإلغاء السياسي، فلم تعد مقتصرة على الاتهامات المباشرة، بل امتدت إلى الانتقاء المتعمد للأحداث، وتضخيم الإخفاقات وتجريد المنجزات من سياقها المؤسسي أو نسبتها إلى طرف دون آخر، وفق موقع المؤسسة الإعلامية من السلطة أو المعارضة.
 وقد تعرض رؤساء حكومات ووزراء وشخصيات سياسية لهذه الممارسات بدرجات مختلفة، كما تعرض منتقدو السلطة لحملات مضادة.
 وبذلك أصبحت صورة المسؤول لدى قطاعات من الجمهور تتشكل أحياناً من طبيعة المنابر التي يتابعها أكثر مما تتشكل من تقييم أدائه الفعلي.
ثم جاءت وسائل التواصل الاجتماعي لتمنح هذه الظاهرة قدرة غير مسبوقة على الانتشار، فلم تعد الحملات تحتاج إلى مؤسسات إعلامية كبيرة وأصبح بالإمكان توجيه النقاش العام عبر صفحات وحسابات ومؤثرين، يتداولون رواية واحدة بصيغ متعددة حتى تبدو تعبيراً تلقائياً عن موقف جماعي. 
أما التطور الأحدث، فيتمثل في الانتقال من الدعاية السياسية المباشرة إلى التأثير المدروس في السلوك والوعي، باستخدام تحليل الجمهور والمحتوى الترفيهي والمؤثرين، فضلاً عن الإمكانات المتنامية للذكاء الاصطناعي. وفي هذا السياق، أثار تحقيق نشره الصحفي كيت كلارنبيرغ في تشرين الأول 2026، بشأن تمويل بريطاني غير معلن لمنصة «يلا» العراقية، أسئلة عن طبيعة المشروعات الإعلامية التي تبدو مستقلة، بينما قد ترتبط ببرامج تأثير خارجية. 
ومع أن ما ورد في التحقيق يحتاج إلى تحقق مستقل من وثائقه وتفاصيل تنفيذه، فإنه يفتح باباً أوسع لمراجعة مصادر التمويل الإعلامي، داخلياً وخارجياً، ومدى انعكاسها على استقلال المحتوى.
وإذا كان الإعلام الموجّه قد أسهم تاريخياً في إقصاء الخصوم، فإن خطورته اليوم تتجاوز الأشخاص إلى إضعاف الثقة بالعمل السياسي والمؤسسات العامة وإنتاج ذاكرة انتقائية لا تحتفظ من الأحداث إلا بما يخدم رواية معينة.
 ولا يعني ذلك أن النقد الحاد أو كشف الفساد يمثلان إلغاءً سياسياً، فالمساءلة ضرورة لأي نظام ديمقراطي، وإنما يبدأ الإلغاء عندما تتحول الوقائع إلى أدوات للتشهير، ويُستبدل تقييم الأداء بتجريد الأشخاص من شرعيتهم وحقهم في الاختلاف.
لقد انتقل العراق من مرحلة كان فيها الصوت السياسي محتكراً إلى مرحلة تتنافس فيها أصوات كثيرة، بعضها معلوم الانتماء وبعضها الآخر لا تتضح مصادر تمويله وتوجيهه. 
وبين المرحلتين تغيرت وسائل التأثير، لكن النزعة إلى احتكار الحقيقة وإلغاء المختلف بقيت حاضرة بأشكال متعددة. 
وربما يكون التحدي الذي يواجهنا اليوم هو بناء وعي يميز بين الخبر والرواية، وبين النقد والإلغاء، ويدرك أن حرية الإعلام لا تكتمل بكثرة منابره، وإنما باستقلالها وشفافية مصالحها، وقدرتها على إبقاء الاختلاف السياسي خارج دائرة التخوين والإلغاء.
 


تابعنا على
تصميم وتطوير