
المخرج العراقي حميد محمد جواد غالبا ما يُذكر بوصفه من الأسماء المؤثرة في المسرح العراقي، وخصوصًا في جيل الستينيات. تشير مصادر فنية عراقية إلى أنه عاد إلى العراق عام 1965 بعد دراسة السينما، وبدأ التدريس في معهد الفنون الجميلة، كما ارتبط اسمه بتجارب تجديدية في الإخراج المسرحي.
درس السينما في موسكو وحصل على ماجستير في السينما، أما اسم المؤسسة والتخصص الدقيق في موسكو، كما يؤشر انه كان مخرجًا ومدرسًا للمسرح في معهد الفنون الجميلة في بغداد، وبرز بصورة خاصة في منتصف الستينيات. عمل مخرجًا ومدرسًا، وارتبط اسمه كذلك بتجارب المسرح العراقي الحديث، ويظهر ضمن قائمة المخرجين الذين عمل معهم عدد من الفنانين العراقيين. فكان له تأثير في عدد من الفنانين والدارسين في معهد وأكاديمية الفنون الجميلة؛ وتذكر أسماء فنية عراقية اسمه ضمن الأساتذة الذين درسوا الإخراج والمسرح.
وهناك مصدر آخر يضع اسم حميد محمد جواد ضمن مجموعة السينمائيين العراقيين الذين عادوا من دراسة السينما في الخارج، ويذكر تحديدًا معهد الدولة للسينما في موسكو «فغيك (VGIK). لكن المصدر لا يربط اسم حميد بالمؤسسة بصورة مستقلة بما يكفي للجزم بأنه حصل على شهادته من VGIK تحديدًا.
ولم يترك لنا وللباحثين وحتى المؤرخين عنه كثير من الاعمال، لكن المعلومة الأكثر وضوحًا هي أنه كان قد درس السينما خارج العراق وعاد منها عام 1965. المصادر التي وجدت حتى الآن لا تحدد بصورة موثوقة اسم المعهد أو المدينة التي درس فيها، ولذلك لا أريد أن أنسب إليه بلدًا أو مؤسسة تعليمية من دون دليل أقوى.
وربما يترك لنا الأرشيف المسرحي العراقي بانه قام بإخراج مسرحية «هاملت»، وهي تجربة وُصفت بأنها اتجهت نحو المعالجة الفلسفية والبصرية للنص الشكسبيري، مع استخدام ديكور تجريدي ورمزي. وهو أبرز عمل موثق له هو إخراجه مسرحية «هاملت» لشكسبير مع طلبة معهد الفنون الجميلة في بغداد، في منتصف الستينيات.
وتبدو أهمية هذا العرض في المعالجة الإخراجية التي قدمها حميد محمد جواد إذ تذكر شهادة الفنان الدكتور فاضل سوداني أنه تعامل مع «هاملت» من منظور فلسفي ووجودي، وصمم ديكورًا تجريديًا رمزيًا، كما حذف شخصية شبح والد هاملت من العرض، وجعل ظهور الأب يتم بصورة داخلية في وعي هاملت بدل ظهوره كشبح مادي.
كما يذكر مصدر نقدي آخر أن إخراج حميد محمد جواد لـ«هاملت» جاء في منتصف الستينيات، ويصف أسلوبه بأنه اتسم بالتضخيم والتفخيم، مع انتقاد لعدم وجود فكرة رئيسية واضحة للعرض. وهذا الاختلاف مهم ، فهو يبين أن تقييم تجربته لم يكن واحدًا شهادة فاضل سوداني تركز على التجديد الفكري والبصري، بينما يورد النقد المسرحي تقييمًا أكثر تحفظًا للعرض.
يبدو أن تأثير حميد محمد جواد لم يكن محصورًا في عروضه، بل امتد إلى مجموعة من طلبة المسرح العراقي في الستينيات. ومن الأسماء التي تظهر في الشهادات المرتبطة به فاضل سوداني، الذي يقول إن تجربة حميد محمد جواد في «هاملت» وفي التفكير بالصورة والفضاء المسرحي أثرت في تكوين رؤيته الفنية في جيل المسرح الستيني.
كما تذكر الفنانة غزوة الخالدي أن حميد محمد جواد كان له أثر كبير في بداياتها، وأنه أشركها في «هاملت» أثناء دراستها في معهد الفنون الجميلة. وتؤكد هذه الرواية أن العرض كان مرتبطًا فعلًا بالطلبة في المعهد في تلك الفترة.
حتى الآن، المصادر التي تمكنت من التحقق منها لا تقدم قائمة موثوقة وكاملة لأعمال حميد محمد جواد. العمل الذي يمكن توثيقه بثقة أكبر هي مسرحية هاملت — تأليف وليم شكسبير، إخراج حميد محمد جواد، معهد الفنون الجميلة، بغداد، ويرد تاريخ العرض في أحد المصادر سنة 1966.
أما نسبة أعمال مسرحية أو سينمائية أخرى إليه فتحتاج إلى مصادر أولية أو أرشيفية أقوى.لذلك من الأفضل عدم تداول هذه المعلومات بصيغة الجزم إلى أن تظهر في سجل رسمي أو مقابلة موثقة أو كتاب تاريخ للمسرح العراقي.
لكن في الخلاصة فان حميد محمد جواد كان مخرجًا ومدرسًا مسرحيًا عراقيًا عاد من دراسة السينما عام 1965، ودرّس في معهد الفنون الجميلة ببغداد، ويبرز اسمه خصوصًا من خلال إخراجه «هاملت» في منتصف الستينيات، وهي تجربة ارتبطت بالمعالجة الفلسفية والصورية للمسرح وبجيل من طلبة المسرح العراقيين.
المخرج العراقي الراحل د. صلاح القصب تحدث عن حميد محمد جواد بوصفه الشخص الذي أحدث تحولًا كبيرًا في رؤيته للمسرح، وقال إنه جاء من موسكو وكان يتحدث عن الإخراج والصورة، وأنه كان بالنسبة إليه «العرّاب الأول لمسرح الصورة».
كما يصف القصب تجمع عدد من الطلبة والفنانين الشباب حول حميد محمد جواد، ولقاءاتهم في بغداد لمناقشة الفن والفلسفة والمسرح، ويربط هذه التجربة بتكوين رؤى الجيل المسرحي العراقي في الستينيات.وهذا يجعل حميد محمد جواد شخصية مهمة ليس فقط بسبب العروض التي أخرجها، وإنما بسبب دوره كأستاذ ومؤثر فكري وفني.
بعد «هاملت»، عمل حميد محمد جواد على إعداد رواية «الإخوة كرامازوف» لدوستويفسكي للمسرح.المشروع كان ضخمًا من الناحية البصرية؛ فقد أقام هياكل وسينوغرافيا كبيرة في فضاء مفتوح في أكاديمية الفنون الجميلة ببغداد، وأحاط به عدد من الطلبة والفنانين. لكن العرض لم يكتمل ولم يرَ النور، بسبب اندلاع الحرب العراقية الإيرانية عام 1980 وما رافق ذلك من إيقاف المشروع وتفكيك الديكور.
وهنا يجب تصحيح معلومة ظهرت في أحد المواقع التي وجدتها: بعض القوائم تسجل «الإخوة كرامازوف» على أنها مسرحية من إخراج حميد محمد جواد سنة 1980، لكن المصادر التفصيلية التي تروي قصة المشروع تؤكد أنه كان مشروعًا/إعدادًا لم يكتمل. لذلك لا أعتبره عرضًا مسرحيًا مكتملًا ضمن قائمة أعماله.
المهم عاد د. حميد محمد جواد عام 1965 من موسكو بعد أن أنجز دراسة الماجستير في السينما، وبدأ تدريس المسرح في معهد الفنون الجميلة حيث لم يوجد قسم للسينما آنذاك ، وهو كفنان وإنسان يمتلك القدرة على الدخول إلى قلب الآخر سريعا بسبب روحه التمردية على البيروقراطية والعادات الاجتماعية البالية ،ولا ينظر الى الفن كوظيفة وإنما يعتبره إبداع وقيمة فنية عالية ، ويرفض الصنمية في التفكير، لذلك فإنه يتعامل مع المسرح بوعي تصوفي، وهو موسوعي الثقافة وعصامي في حياته، فقد تميز بعقله الشامل والمتنور مما خلق له الكثير من المشاكل مع زملاء المهنة.
إن وعي د. حميد وثقافته الفنية والفلسفية ودعوته لتبني الفن بمفهومه الجمالي الخالص، وكثافة الإحساس بالزمن، وعبثية الوجود ، وميله إلى العزلة ،والعزوف عن المغريات التي تمنع الفنان من ممارسة الفن كوجود ابداعي. كل هذه الأسباب أثرت في عدد كبير من طلبته مما أدى الى أن تتحلق حوله مجموعة من الطلبة الأكثر طموحا وتمردا، وسترتبط به وبمفهومه الجمالي والفني للغور في التأمل والتفكير بإبداع مسرحي متميز ومتفرد ،وأصبح معروفا بين أوساط الفن ، بأن هنالك على ضفاف نهر دجلة يلتقي مجموعة من الفنانين الشباب مع أستاذهم د. حميد محمد جواد يجلسون ساعات متأخرة في الليل، وخاصة في أيام العطل للتأمل والتفكير في الفن ،والقراءة والتمرين الفكري والفني لتكوين البصيرة الخيالية والذهنية ، وخلق مرادفات فنية صورية للتعبير فنيا عن الترادفات الحياتية لخلق معانيها ومفرداتها وصياغتها بأفق مسرحيٍ مما خلق لديهم مفهوما جديدا في العملية المسرحية وهو مفهوم مسرح الصورة، الذي اسسه د حميد عندما أخرج مسرحية هاملت واستطاع د. حميد أن يطبق هذا المفهوم في معهد واكاديمية الفنون الجميلة والتي اعتبرت ، وما زالت، رؤيا بصرية
في المسرح الذي تبنى هذا التوجه جيل مهم من الشباب في المسرح العراقي بعد ذلك اضافة للتحليل الفلسفي لمأساة الأمير الدنماركي والأفكار الشكسبيرية فإن المخرج التزم النظرة الشمولية والتحليل البصري الشامل والمقرون بالحس التعبيري الفني المتفرد في كل شيء في الحركة، أو التكوين، والرؤيا الإخراجية البَصريّة ، والديكور كونه مكان بصري بوعي تجريدي لكنه غني بالإيحاءات والمعاني الفلسفية الرامزة والمعبرة والتي لها دلالاتها الشاملة حيث امتد إلى قاعة المشاهدين ككتلة تمثل باحة القصر متوازية مع ممشى على شكل صليب مجسم له دلالاته الطقوسية التي تثير في الجمهور الكثير من التساؤل والشجن وخاصة عندما تشيع جثة أو فيليا أو عندما ينام هاملت مفكرا ومتأملاً وهو يهمس بحرقة (أكائن أنا أم غير كائن ).
أن روحية د حميد جواد كمخرج وفنان ومنهجية تفكيره تؤكد على إشاعة المعرفة وإتقان الحصول عليها وخاصة بالنسبة الى طلبته منحتهم رافداً معرفياً مهما في كفية فهم الفن، بل الحياة برمتها وهذا بالتأكيد أثر في مسار تفكريهم الفني ومنهجية استيعاب المسرح كقدرة إبداعية مؤثرة ، فالفنان مفكرـ يجعله منسجما من جديد مع ذاته ـ أولا ـ ومع الآخر ـ
والفنان عموما بما فيها الفنان العربي أو العراقي في علاقته بالعالم والآخر والمجتمع ، ولم يطرح فيها تفاصيل حياته المعروفة كما عمل بعض من كتبوا عنه، وإنما كان السؤال الجوهري الذي يشكل أزمته المصيرية هو: كيف يستطيع الفنان أن يحول اللون الأصفر إلى نور ليضيء روحه والآخرين ، إضافة إلى تمايز التكنيك وأسلوب الطقوس في الكتابة ،أو الإخراج. ولذلك يمكن القول إن الفنان العراقي في المنفى الأوربي، بالرغم من أنه فقد مشروعه الفني بعد أن سرق زمنه ، إلا أنه تواصل بوعي أشمل، وبتجربة تكنيكية وفكرية أوسع.
كما أثر في مستقبل المسرح العراقي، وأيضاً في تكوين رؤى الجيل المسرحي الستيني. وفي سنوات دراستي للمسرح في بلغاريا وبعدها في سنوات الاغتراب حيث حاول بعد سنوات من عرض هاملت تحقيق أفكاره الجديدة في إنجاز عمله الضخم التالي وهو إعداده “الإخوة كرامازوف» لدوستويفسكي الذي كان أحد مشاريعه المسرحية المهمة وقد حلم بتحقيق هذا العرض في ساحة أكاديمية الفنون الجميلة، فنصب ديكوراً ضخماً في الهواء الطلق، كأنه هياكل خرافية .ولكن مع الاسف لم يرى العمل النور بسبب بدء الحرب العراقية الإيرانية، والتفاف زملاء المهنة لقبر التجربة حيث اشاعوا بأن هذه الهياكل السينوغرافيا في وسط ساحة الاكاديمية وفي الهواء الطلق ستقصف عندما يشاهدها الطيران الايراني .
استطاع د حميد محمد جواد الحصول على زمالة دراسية لدراسة السينما في باريس، وأنجز اطروحته المهمة في السينما من جامعة السوربون الأولى بعنوان (الرؤى الإخراجية والفكرية ــالسينمائية) والجانب العملي في الأطروحة هو دراسة وتحليل أفلام فلليني
.الأطروحة بعد مناقشتها من قبل أهم العقول السينمائية في الجامعة نالت درجة «امتياز» لعمقها ومنهج التحليل الذي يتميز به حميد وقد أدى هذا بأعضاء لجنة المناقشة على اعتبارها أطروحة متفردة في موضوعها والتحليل المنهجي المتبصر.
وتعقبا على اهتمام المسرح العراقي بالأعمال الشكسبيرية في معاهدنا الفنية وفي كلياتنا للفنون، تنتج البعض فيها مسرحياً يقول المسرحي الرائد الكبير الراحل سامي عبد الحميد في مداخلة في ندوات مختلفة ، أنه أخرجت مسرحية شكسبير (يوليوس قيصر) أكثر من مرة من قبل استاذنا الأول الراحل حقي الشبلي مع طلبة معهد الفنون الجميلة عام 1952، ومرة أخرى من قبل الراحل جعفر السعدي مع طلبة المعهد نفسه. وأخرجت مسرحية (هاملت) من قبل الراحل إبراهيم جلال مع طلبة المعهد عام 1951، ومن قبل حميد محمد جواد عام 1966، ومن قبل صلاح القصب عام 1982، ومن سامي عبد الحميد عام 1976. وأخرجت (تاجر البندقية) من قبل الشبلي مع طلبة دار المعلمين العالي عام 1954، ومن قبل سامي عبد الحميد عام 1965، مع أعضاء الفرقة القومية للتمثيل قبل تشكيلها رسمياً، وفي إخراجي لمسرحية (هاملت) افترضت وقوع أحداثها في إحدى الإمارات العربية على ساحل الخليج العربي وان (هاملت) قد ذهب إلى بلد أجنبي ليدرس قبل أن يأتيه نبأ مقتل أبيه من قبل عمه طمعاً بحكم الإمارة وسلطتها. وهنا لابد أن أتذكر الفنان الراحل كاظم حيدر الذي صمم لي ديكورات المسرحية وأزياءها معطياً إياها طابع حياة البداوة العربية شكلاً ومادة. عندما أخرجت (حلم ليلة صيف) عام 1981 للفرقة القومية وفي المسرح الوطني، بعد أن أخرجها لطلبة المعهد (محسن سعدون) في أواسط الستينيات. وهنا اذكر أنني افترضت وقوع أحداث المسرحية لا في غابة قرب أثينا اليونانية، بل على ساحلٍ أندلسي على البحر الأبيض المتوسط، حيث استبدلت أشجار الغابة بأشرعة القوارب والسفن الراسية هناك لا أدرى لماذا تخيلت أن قصة المسرحية كما لو كانت من قصص ألف ليلة وليلة، ولكني لم أستطع أن أجد مرجعا يذكر أن شكسبير قد اقتبسها عن الليالي العربية،
بينما هناك مراجع عديدة تذكر أن أصل مسرحية (عطيل) هي من قصة التفاحات الثلاث وهي إحداها. .واذكر ايضاً أن الحرب العراقية - الإيرانية كانت قائمة إثناء تقديم المسرحية وكنت أنا والممثلون نشغّل الفواصل بين مشاهد المسرحية، لنتابع وقائع الحرب على شاشة التلفزيون الموجود في مكان استراحة الممثلين، وقبل أن أتطرق إلى معالجتي التجريبية لمسرحية (عطيل) لابد لي أن أعرج على معالجة تجريبية أخرى لمسرحية (ماكبث) والتي سميتها (طقوس النوم والدم) استلهاما من كتابات (بان كوت) في كتابه (شكسبير معاصرنا)، حيث ابتدأت العرض من لحظات جثمان الليدي ماكبث والرجوع منها الى الأحداث الدموية للمسرحية،
ولا أنسى الصدفة التي علمتني التوغل في عالم شكسبير الذي منحني الكثير في تعلم ـ ليس الفن فحسب ـ وإنما الحياة أيضا وستمنحني «هاملت» أفقا جديدا ليخلق لدي رؤية جديدة وعالم أكثر تماسكا والتعرف على أن الفن يحتاج إلى رؤية فلسفية وتمرين على المعرفة وتوسيع الخيال ، وقد خدمتني الصدفة باللقاء بالفنان ومدرس المسرح في معهد وأكاديمية الفنون الجميلة حميد محمد جواد . أخيرا فان الفنان حميد محمد جواد ليس مجرد مخرج «هاملت» في الستينيات، بل كان مخرجًا وأستاذًا ومفكرًا سينمائيًا ومسرحيًا، درس السينما ، ثم ترك أثرًا واضحًا في مجموعة من فناني المسرح العراقي، ومن بينهم د .صلاح القصب.
وبعد «هاملت» حاول نقل أفكاره إلى مشروع بصري أكبر في «الإخوة كرامازوف»، ثم واصل مساره السينمائي في باريس.
والآن يعيش د. حميد محمد جواد منعزلا بإرادته في منفاه الباريسي منقطعا عن الآخرين تماما مبتعدا عن الكثير من الهموم والمشاكل الصغيرة منسجماً مع ذاته ومتوحداً بغربته كفنان عراقي سرق زمنه الإبداعي لكنه استطاع أن يخلق زمنه المتفرد أنه زمن الفنان المبدع المتسامي بعيداً عن ترهات زمننا الحاضر.