رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
الذكاء الاصطناعي على خط النار: حين تتقلص حلقة القرار البشري ....ما مدى جدية تحذيرات الخبراء من دخول الذكاءالاصطناعي ساحة المعركة


المشاهدات 1065
تاريخ الإضافة 2026/10/07 - 11:41 PM
آخر تحديث 2026/10/08 - 1:03 AM

 لم يعد الذكاء الاصطناعي تقنيةً عسكرية نظرية تنتظر اكتمالها في المختبرات. فالتقارير والتحذيرات التي صدرت في الأيام الأخيرة خلال «منتدى شيانغشان في بكين» تُظهر أن الحرب القائمة على الذكاء الاصطناعي قد تسللت إلى صميم استراتيجيات القوى الكبرى، ودبلوماسية إدارة الأزمات، ومخاطر ميدان المعركة، والنقاشات المتعلقة بالحدّ من التسلح.
عُقدت الدورة الثالثة عشرة من منتدى شيانغشان في بكين بين 15 و17 أيلول/سبتمبر، وكانت رسالتها الرئيسية «بناء التوافق من أجل الاستقرار، والمضيّ المشترك في الحوكمة الأمنية». وتناول المشاركون فيه النظام الدولي والاستقرار الاستراتيجي، والنزاعات الإقليمية، وأمن منطقة آسيا والمحيط الهادئ، والأمن البحري، وحوكمة الفضاء، والمخاطر المرتبطة بالاستخدامات العسكرية للتقنيات الناشئة. وقد شكّلت محاورَ المنتدى الرئيسيةَ قضايا الذكاء الاصطناعي، والأسلحة ذاتية التشغيل، والقدرات السيبرانية، والطائرات المسيّرة، والتقنيات الفضائية، والبنى التحتية الحيوية. ولم تكن المخاوف التي طُرحت فيه سوى جزء يسير مما يُثار اليوم في النقاشات حول الذكاء الاصطناعي والحروب الحديثة.
يدرك العالم اليوم أن عصر حرب الذكاء الاصطناعي قد حلّ. غير أن مصدر القلق الأساسي لدى الخبراء ليس أن كل جيش بات يستخدم الآن آلات قتل ذاتية التشغيل بالكامل، أو أن القيادة البشرية لم يعد لها وجود؛ بل ثمة ما هو أهم: فالذكاء الاصطناعي يندمج في الدورة العسكرية للدول، وتحديداً في أكثر أجزائها أهمية، أي الاستشعار، واتخاذ القرار، والاستهداف، والدفاع، والتشويش، والتصعيد.
وفي هذا السياق، كتبت صحيفة فايننشال تايمز مؤخراً أن الأنظمة المؤتمتة تُنشر في العمليات العسكرية، في حين تتطور النماذج التي تقوم عليها بطريقة لا يستطيع حتى مطوّروها التنبؤ بها دائماً. وترى الصحيفة أن هذا المزيج، أي الاستخدام العملياتي مضافاً إليه الغموض التقني، هو ما يحوّل الذكاء الاصطناعي من مسألة تتعلق بالمشتريات إلى مسألة استراتيجية. فالطائرة المسيّرة، أو منصة الاستهداف، أو أداة الاستخبارات، ليست مجرد برمجيات أسرع، بل هي ما يحدد من يرى أولاً، ومن يطلق النار أولاً، ومن يستطيع لاحقاً أن يتنصّل من المسؤولية بحجة مقبولة. ومن هنا يتضح أن منتدى شيانغشان في بكين لم يكن مجرد منبر للحوار الإقليمي، بل تحوّل إلى ساحة أعلنت فيها الحكومات أن حرب الذكاء الاصطناعي قد دخلت «لغة الاستقرار الاستراتيجي».
وكان وزير الدفاع الصيني دونغ جون قد قال في المنتدى إن التقنيات الناشئة يجب أن «تخدم البشرية جمعاء على نحو أفضل»، وإن على القوى الكبرى أن تتجنب المواجهة بين التكتلات وعقلية المعادلة الصفرية. ومع ذلك، فإن الحاجة إلى قول ذلك بحد ذاتها تكشف عمق المخاوف؛ إذ يتحول الذكاء الاصطناعي إلى أصل عسكري تنافسي، وتسعى الدول إلى صياغة قواعده دون أن تخسر تفوقها. وذكرت صحيفة ساوث تشاينا مورنينغ بوست أن خطاب دونغ جاء بنبرة أكثر ليونة تجاه واشنطن مقارنةً ببعض الخطابات الدفاعية الصينية السابقة. وهذا أمر مهم، لأن حرب الذكاء الاصطناعي باتت الآن جزءاً من الحوار الأمني الأميركي–الصيني، لا قضية هامشية. فسباق التكنولوجيا نفسه الذي حدّد ملامح البنى التحتية السحابية والرقائق والنماذج المتقدمة، يؤثر أيضاً في المراقبة، والقيادة والسيطرة، والدفاع الصاروخي، والمنصات ذاتية التشغيل، والهجمات السيبرانية. وبعبارة أخرى، لم يكن السؤال المطروح في المنتدى هو ما إذا كانت الجيوش ستستخدم الذكاء الاصطناعي أم لا، فهي تستخدمه بالفعل؛ بل السؤال الجوهري هو: هل يستطيع القادة السياسيون فرض قيود ذات معنى قبل أن تولّد السرعةُ والاستقلاليةُ والخوفُ منطقاً جديداً للتصعيد؟
إلى أين وصلنا؟
لعلك شاهدت في الأشهر الأخيرة مقاطع قصيرة على شبكات التواصل لمسابقات الروبوتات، أو لمباريات قتال فردي بين الروبوتات أو حتى بينها وبين البشر. لقد غدا الذكاء الاصطناعي مساعداً لإنسان اليوم، مستعداً لخدمته من التسوّق البسيط إلى البحث العلمي. لكن تطوير هذه التقنية في المجال العسكري أثار مخاوف كثيرة. فقد قال وزير الدفاع السنغافوري تشان تشون سينغ في كلمته أمام منتدى بكين إن الفجوة التنافسية في مجالات الذكاء الاصطناعي والفضاء والروبوتات تبدو آخذة في التقلص، وإن التكنولوجيا العسكرية باتت تنتشر «يومياً لا سنوياً». وتفسّر هذه العبارة سبب تعثّر الأعراف التقليدية للحدّ من التسلح؛ فالدبابات والغواصات والصواريخ يمكن عدّها واختبارها ومراقبتها عبر دورات مشتريات طويلة، أما الأنظمة القائمة على الذكاء الاصطناعي فيمكن تحديثها بإصدار نموذج جديد، أو برقعة برمجية، أو بإعادة تدريب على البيانات، أو بالارتجال الميداني.
ويرى الخبراء أن ذلك يضغط الزمن الاستراتيجي. فأداة ذكاء اصطناعي ميدانية تحسّن تمييز الأهداف أو ملاحة المسيّرات أو التكيّف مع الحرب الإلكترونية، يمكن نسخها وتعديلها وإعادة نشرها بسرعة. والقائد الذي يواجه تقدماً سريعاً لدى العدو قد يخلص إلى تفويض مزيد من القرارات إلى الآلات لمجرد مجاراة ذلك التقدم. والخطر لا يكمن فقط في أن يخطئ نظام ذكاء اصطناعي، بل في أن يصمّم كل طرف إجراءاته على أساس افتراض أن التردد قاتل.
وحذّر وزير الدفاع السنغافوري من أن سعي كل دولة إلى تعزيز أمنها قد يراه الآخرون تهديداً، فيولّد دوامة من انعدام الأمن. والذكاء الاصطناعي يفاقم هذه المعضلة الأمنية الكلاسيكية، لأن كثيراً من تطبيقاته العسكرية مزدوجة الاستخدام أو غير مرئية أو ملتبسة. فالنموذج المدرَّب على الإمداد اللوجستي قد يساعد في الاستهداف، ووكيل الدفاع السيبراني قد يتحول إلى أداة اختراق، وخوارزمية ملاحة المسيّرات قد تغدو أداة هجوم. والابتكار نفسه قد يبدو دفاعياً في عاصمة، وتصعيدياً في عاصمة أخرى.
وبحسب فايننشال تايمز، فإن أهم عبارة في النقاش حول حرب الذكاء الاصطناعي ليست «الروبوت القاتل»، بل «السيطرة البشرية ذات المعنى». ففي شيانغشان، حذّر الخبراء من أنه لا يمكن تفويض المسؤولية إلى الخوارزميات. وجادل فلاديمير نوروف، الأمين العام السابق لمنظمة شنغهاي للتعاون، بأن البشر يظلون مسؤولين حتى حين يدخل الذكاء الاصطناعي في سيناريوهات اتخاذ القرار. ويبدو هذا المبدأ بسيطاً ما دام بعيداً عن ميدان المعركة.
فإذا صنّف نظام ذكاء اصطناعي الأهداف، ودمج المعلومات، ووسم مركبة ما، واقترح نافذة للهجوم، وتوقّع الأضرار الجانبية أيضاً، فهل الإنسان عندئذ يوافق على الهجوم عن تقدير وحكم، أم أنه يصادق فحسب على استنتاج توصلت إليه الآلة؟ وإذا كان النظام أسرع من أن يُراجع بالكامل، وأعقد من أن يُشرح، وأنفع عملياتياً من أن يُتجاهل، فمن المرجح أن تتحول السيطرة البشرية إلى إجراء شكلي.
وكتبت صحيفة عرب نيوز في تحليل لها أن الذكاء الاصطناعي، من الاستهداف في ميدان القتال إلى القرار النووي، يثير تساؤلات تتعلق بمخاطر الأتمتة والمساءلة وإسناد المسؤولية. ويخشى الخبراء أن يجعل الذكاء الاصطناعي الحرب أسرع وأقل طابعاً إنسانياً وأصعب، لأن المؤسسات العسكرية باتت تعتمد أكثر على الأنظمة المؤتمتة. وهذه هي فجوة المساءلة في قلب العصر الجديد: فالآلات لا توقّع الأوامر، ولا تُحاكم أمام المحاكم العسكرية، ولا تُساءل أمام البرلمانات؛ البشر هم من يفعلون ذلك. لكن إذا عجز البشر عن فهم توصية الآلة أو الاعتراض عليها، فإن المسؤولية تتشتت ويكتنفها الغموض.
من الترسانات الحكومية إلى انتشار الأسلحة
لا تقتصر المخاطر المذكورة على القوى الكبرى. فالأهمية العسكرية للذكاء الاصطناعي تكمن جزئياً في قدرته على نشر قدرات كانت يوماً حكراً على الدول المتقدمة. وثمة تقارير تفيد بأن جهات فاعلة في هذا المجال حاولت استخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي لتطوير أسلحة متقدمة، منها توجيه الصواريخ، وإن لم يوجد، بحسب هذه التقارير، أي دليل على نجاح سلاح عملياتي في تلك الحالة. لكن الدرس العملياتي واضح: الذكاء الاصطناعي يخفض حاجز المعرفة أمام جهات تفتقر إلى خبرة هندسية عميقة.
ولا يعني ذلك أن روبوت محادثة يستطيع بطريقة سحرية إنتاج ترسانة فرط صوتية؛ فالأسلحة تحتاج إلى مواد، وميادين اختبار، وجودة تصنيع، وأجهزة استشعار، وأنظمة دفع، ومنظومات قيادة، وكوادر مدرَّبة. لكن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يدخل في البرمجة، والمحاكاة، والتوثيق، واستكشاف الأعطال، وأبحاث المشتريات، والدعاية، والعمليات السيبرانية، ويمكنه تسريع الطبقات الوسيطة بين نية القيام بأمر ما والقدرة على تنفيذه.
ولهذا بات النقاش حول حرب الذكاء الاصطناعي يشمل اليوم الجماعات غير الحكومية، والقوى الوكيلة، والجيوش الأصغر حجماً. فالدولة قد تصدّر طائرة مسيّرة، والميليشيا قد تجمع مكوّنات تجارية لطائرة مسيّرة، والجهة الخاضعة للعقوبات قد تستعين بالذكاء الاصطناعي للبحث عن حلول، والفريق السيبراني قد يؤتمت عمليات الاستطلاع. ومن ثمّ، فإن ظهور الأسلحة القائمة على الذكاء الاصطناعي ليس مجرد حضور استعراضي ومفاجئ في ميدان المعركة، بل هو نمط شامل من الدعم يمتد عبر طيف واسع من الوظائف العسكرية.
فقدان إطار السيطرة الصيني
يُظهر تقرير لوكالة رويترز كيف نقلت الصين خطر «فقدان السيطرة» على الذكاء الاصطناعي إلى أطرها الأمنية وقواعد الوكلاء الذكيين، بما في ذلك اشتراطات تقضي بأن يحتفظ البشر بصلاحية القرار النهائي في القرارات ذاتية التشغيل. ويشير التقرير إلى أن الوثائق الصينية تناقش مخاطر مثل استحواذ أنظمة الذكاء الاصطناعي المستقبلية على الموارد، أو تكاثرها ذاتياً، أو سعيها إلى السلطة، في حين تركز القواعد الحالية للوكلاء على مخاطر منها تسميم البيانات، والتلاعب بالخوارزميات، وثغرات الأنظمة، وفقدان السيطرة العملياتية. ولهذا الأمر أهمية لسببين: أولاً، أن بكين لا تتعامل مع أمان الذكاء الاصطناعي بوصفه همّاً غربياً أو شأناً يخص الشركات فحسب، بل تعمل على استيعاب لغة «فقدان السيطرة» داخل التفكير الأمني للدولة. وثانياً، أن النهج الصيني يربط بين إدارة الذكاء الاصطناعي المدني، والمخاطر السيبرانية، والحذر العسكري. وقد حذّر المسؤولون الصينيون من ضرورة إدارة الذكاء الاصطناعي العسكري بعناية لتفادي الحسابات الاستراتيجية الخاطئة وديناميات سباق التسلح. لا يجعل ذلك الصين نصيرةً للحدّ من التسلح، ولا يلغي المنطق التنافسي الذي يحكم المواجهة الأميركية–الصينية؛ لكنه يبيّن أن القوتين الرائدتين في مجال الذكاء الاصطناعي تعملان الآن بنهجين متوازيين: التسريع لكسب التفوق، والتقنين من أجل البقاء. وترى رويترز أن التوتر بين هذين المتطلّبين هو السمة الأبرز للعصر الجديد. ولكن، لماذا لم تعد مفردات الردع القديمة كافية اليوم؟ لقد قام الردع النووي على وضوح مرعب: فعمليات الإطلاق كان يمكن رصدها، والترسانات كان يمكن تقديرها، ومسؤولية القيادة كان يمكن إسنادها إلى الدول. أما حرب الذكاء الاصطناعي فحرب ملتبسة؛ قد تنطوي على وكلاء سيبرانيين، ومسيّرات ذاتية التشغيل، وأدوات لدعم القرار، وتسميم للبيانات، وأجهزة استشعار مخادعة، وتبادل للإشارات العسكرية بسرعة الآلة، أو على توصيات استهداف يتعذّر تغييرها. وهذا المزيج من السرعة والغموض وعدم وضوح الإسناد خطير في أوقات الأزمات. فعملية سيبرانية قائمة على الذكاء الاصطناعي ضد الشبكات العسكرية قد تُفهم خطأً على أنها تمهيد لهجوم. وسرب من المسيّرات قد يتصرف على نحو غير متوقع تحت التشويش الإلكتروني. ونظام دفاع جوي مؤتمت قد يخطئ في تصنيف طائرة. ونموذج لدعم القرار قد يبالغ في تقدير الثقة بمعلومات غامضة. وفي كل سيناريو من هذه السيناريوهات، قد يبقى البشر تقنياً داخل «الحلقة»، لكن الحلقة نفسها آخذة في الانكماش.
 


تابعنا على
تصميم وتطوير