رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
في مترو الأنفاق


المشاهدات 1035
تاريخ الإضافة 2026/10/07 - 11:40 PM
آخر تحديث 2026/10/08 - 1:00 AM

الرجل الهندي الذي جلس قبالتي في مترو الأنفاق، كأنه قد أفلت نفسَه من كل ما يُلزمه بالذوق. كان يحمل كيسا ورقيا لم يغطِّ قنينةَ الويسكي التي بدا عنقها بلا غطاء، فملأت رائحة الكحول المنبعثة من فمه وقنينته المكان.
ما إن أخذ موقعه على المقعد المقابل حتى حشر القنينة بين فخذيه، وراح يأخذ منها حسوةً كل حين، ثم يستل من الكيس ذاته قطعة مانجو، يكسر بحلاوتها لذعة الكحول.
أما يده الأخرى فكانت تحمل هاتفاً حديثاً تنبعث منه، بأعلى صوتها، أغنيةٌ هندية ذات إيقاع سريع راقص. كان يرقص معها في مقعده، ويُغري من حوله بالحركة، حتى إن بعض الركاب أخذ يهتز بلا شعور.
كنت سأفعل مثلهم، لولا كياسةُ شرقيتِنا التي تثقل أرواحنا كأمتعة جندي في طريقه إلى المعركة. عبثًا حاول بعضنا إبداء امتعاضه من الصوت، لعلّه ينتبه فيخفضه أو يضع سماعات الأذن ويرحمنا من الصخب الذي ملأ العربة، كأننا في صالة سينما لفيلم هندي، أو في رحلة مدرسية إلى أقاصي دلهي أو بومباي.
لكن امتعاضنا لم يزده إلا طربا واهتزازاً.
كانت سيدة هندية تجلس قريبا منه، وقد أحسّت بشيء من حرج ومسؤولية الجنس والدم، فكلمته بلغتهم فلم يأبه بها، ولم يلتفت إليها، ولعله لم يسمعها أصلا، كان ذائبا في الموسيقى، ممتزجا بها، حتى بدا أن الأغنية لا تخرج من هاتفه بقدر ما تخرج منه هو.
حوّل عربة القطار إلى ملهى ليلي، ولم يبقَ أمامي إلا أن أصبر حتى محطتي، لعلني أتعافى من الصخب الذي صدّع رؤوسنا، ومن عفونة الهواء التي ازدحم بها المكان.
حين وصلت محطتي ونزلت كان رأسي يتحرك يمينا وشمالا، وكتفاي يصعدان ويهبطان، بل حتى وقع خطواتي في المشي صار يماشي إيقاع الأغنية التي عشّشت في رأسي، بلا إرادة ولا سيطرة مني.يحدث أن تعيش في بلد يحترم رغبات الناس إلى الحد الذي لا يعطيك فيه حق الاعتراض على تصرفاتهم في الأماكن العامة إلا بالكلام والتنويه. فلا تستطيع أن تجبر أحدا على شيء، ولا أن تؤنبه، ولا حتى أن ترفع إصبعك في وجهه.
حين تُترك الحرية بلا ذوق، قد تتحول من حق جميل إلى عبء ثقيل على الآخرين.
كنت أنظر إليه وأتخيله في بلدي؛ كان سيشبع شتما وربما أخرج من المترو وصار هاتفه قطعًا صغيرة تحت أحذية الركاب الحانقين.
صباح الخير يا أهل الذوق.
أنتم وحدكم من يمتلك ثلثي الخُلق والأدب.
 


تابعنا على
تصميم وتطوير