رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
صفة العناد ... مذمومة أم محمودة


المشاهدات 1044
تاريخ الإضافة 2026/10/07 - 11:40 PM
آخر تحديث 2026/10/08 - 1:00 AM

بدايةً، يقتضي المنطق السليم الوقوف على مفهوم العِناد والتعرّف إلى دلالته، قبل الخوض في تفاصيله وبيان صوره وأشكاله. ثم ننتقل إلى عرض نماذج واقعية له، بما يساعد على توضيح معالمه وتمييزه عن بعض السلوكيات التي قد تتشابه معه في ظاهرها، لكنها تختلف عنه في حقيقتها وأسبابها ونتائجها؛ وبذلك يصبح مفهوم العِناد أكثر وضوحًا، وتتحدد حدوده بصورة أدق.
فمن خلال البحث في معاجم اللغة العربية؛ لاحظنا ان كلمة العناد تعني: مصدر عَانَدَ. كَثِيرُ الْعِنَادِ: كَثِيرُ الْخِلاَفِ، اللِّجَاجِ.( الحق أبلج والباطل لجلج). إضطراب وظيفيّ عقليّ يتميّز بإنحصاره في موضوعٍ واحد. عنَدَ عن يَعنُد ويَعنِد، عُنُودًا وعَنْدًا، فهو عاند والجمع: عُنَّدٌ، وعَنَدَةٌ وهو عَنُودٌ، وعَنِيدٌ والجمع: عُنُدٌ. عَنَدَ الرَّجُلُ: خَالَفَ الْحَقَّ وَهُوَ عَارِفٌ بِهِ.
والعِنَاد في الاصطلاح يعني: المُنازعة في المسألة يصل الى درجة عدم الاعتراف بكثير من ثوابت الدين والقيم الإنسانية والقانون، والضوابط التي تنظم سلوك الإنسان) مصطفى محمد نجدت، اثار العناد ومفهومه في القران الكريم، مجلة كلية العلوم الاسلامية، ملحق العدد 71، ايلول 2022، ص 235).
ومعلوم ان اللغة العربية هي مصدر القرآن الكريم من حيث انها الوسيلة التي نزل بها، وبناءً على ذلك، وبالبحث عن كلمة العناد فيه، لاحظنا انه ذكر كلمة العناد في آيات كثيرة بشكل غير مباشر من القران الكريم وبصفة مذمومة، ومع ذلك جاءت كلمة العناد بشكل صريح في مواضع أربع بشكل صريح وهي: قال تعالى ( وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ ﴿٥٩ هود﴾ ( وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ)  ﴿15ابراهيم﴾ و( أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ) ﴿٢٤ ق﴾ و( كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا ﴿١٦ المدثر﴾. ويُلاحظ ان هذه الأمكان الاربعة التي وردت فيها كلمة العِناَد جاءت بصفة مذمومة في الآيات أعلاه نذكر منها: المُعاند هو الجاحد، والعاصي للحق، والمتسلط، والمتعال عن قبول الحق متكبر، والخاسر، ولا يعترف بالحق وبكل ما جاءت به الشريعة من أحكام.
وتجدر الإشارة الى ان صفة العِنَاد كانت حاضرة منذ القديم، ومتجسدة بحركة فكرية منتشرة قبل ظُهور الديانة المسيحية والشريعة الاسلامية، تحديدًا في اليونان خلال القرن السادس قبل الميلاد، وقبل مجيئ الفيلسوف سقراط. فقد كانت شائعة تحت مذهب الفكر السفسطائي والتي كانت تنقسم الى ثلاث فرق، إحداها الفرقة العنادية. 
والفكر السفسطائي قائم على إنكار حقائق الأشياء وزعموا أن كل شيء مبني على الوهم ولا توجد حقيقة ثابتة، وهم بذلك قاموا بنقل الفلسفة من المحسوس إلى الفكر والعقل. وفرع العِنَادِيّةُ كان يقوم على انهم :ينكرون حقائقَ الأشياء، ويزعُمون أَنَّها وهمٌ وخيالٌ باطل (للتفاصيل اكثر انظر: د. سهام احمد الاريبع، القاعدة السفسطائية للقانون الكانطي وعلاقته بالأخلاق، بحث منشور، المجلة الافريقية للدراسات المتقدمة في العلوم الإنسانية والاجتماعية، المجلد الثاني، العدد الأول، يناير/ مارس 2023، ص 433-440 ). 
وبناءً على ما تقدّم، فإنَّ العِناد يُعدّ من الصفات المذمومة التي لا تنسجم مع مبادئ الشريعة الإسلامية، ولا مع القيم الإنسانية، ولا مع أحكام القانون، ولا مع العُرف السليم. غير أنَّ التمسّك بهذا الحكم يقتضي التمييز بين العِناد، بوصفه إصرارًا على الخطأ أو الباطل، وبين الإصرار على الحق والثبات عليه؛ إذ قد تتشابه الصورتان في ظاهر السلوك، بينما يختلف جوهر كلٍّ منهما وغايتُه.
فماذا نُسمّي الشخص الذي يتعرّض لضغوط أو مضايقات اجتماعية أو وظيفية من أجل تغيير حقيقة ثابتة، ثم يرفض الاستجابة لهذه الضغوط ويتمسّك بالحقيقة؟ وهل يُعدّ هذا الشخص عنيدًا لمجرّد أنه لم يتراجع عن موقفه؟
وماذا نُسمّي من يرفض حرمان أخواته من حقوقهن في الميراث، ويتمسّك بأن يأخذ كلُّ وارثٍ نصيبه المستحق وفقًا لأحكام الشرع والقانون؟ وماذا نُسمّي الشاهد الذي يتعرّض للتهديد أو الضغط من أجل الإدلاء بأقوال تخالف ما شاهده، فيرفض ذلك، ولا يشهد إلا بما أدركه وعاينه؟ وكذلك القاضي الذي يتعرّض للضغط أو التهديد من أجل تغيير الحقيقة أو إصدار حكم يخالف مقتضى القانون، فيرفض الاستجابة ويتمسّك بالحق والعدل؟
إنَّ هذه الصور، وغيرها كثير، تؤكد أنَّ مجرد الإصرار وعدم التراجع لا يكفي لوصف الشخص بالعِناد؛ فالعبرة بمحلّ الإصرار وسببه ونتيجته. فإذا كان الإصرار منصبًّا على الخطأ أو الباطل، مع العلم بالحقيقة ورفض الرجوع إليها، كان ذلك عنادًا مذمومًا. أما إذا كان الإصرار منصبًّا على الحق، ورفض الظلم، وحماية الحقوق، والالتزام بالقانون، فإنه يكون ثباتًا على المبدأ وتمسّكًا بالحق.
ولذلك، فإنَّ الوصف الأنسب للأشخاص في الأمثلة المتقدمة هو الثبات على الحق والإصرار على المبدأ، وليس العِناد. وقد أشار القرآن الكريم إلى قيمة الثبات بقوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ﴾ (آية 27 سورة ابراهيم) .
ومن الناحية اللغوية، فإنَّ «الحق» يدل على الثبوت والوجوب والتحقق، وهو ضد الباطل، ويأتي بمعنى اليقين، وما ثبت وتحقق ولم يكن فيه شك. ومن هنا يظهر الفرق بين العِناد والثبات: فالعِناد إصرارٌ على غير الحق، أما الثبات فهو تمسّكٌ بما ثبتت صحته واستقامته.
وعليه، لا ينبغي أن نخلط بين العِناد والثبات، ولا أن نصف كلَّ من يصرّ على موقفه بأنَّه عنيد؛ لأنَّ الإصرار قد يكون مذمومًا إذا كان على الباطل، وقد يكون محمودًا إذا كان على الحق. فالمعيار ليس في مجرد الإصرار وعدم التراجع، وإنما في ما الذي يصرّ عليه الإنسان، ولماذا يصرّ عليه، وإلى أي نتيجة يقوده هذا الإصرار.
ومن صور العِناد التي يمكن ملاحظتها في الواقع العملي: عدم التزام الشخص بحظر التجوال الذي تفرضه الجهات الحكومية لمدة محددة، بسبب انتشار مرض خطير، من دون وجود سبب طارئ أو مبرر مشروع يستدعي مخالفته؛ إذ يُعدّ ذلك إصرارًا على مخالفة القواعد والأنظمة العامة.
ومن صوره كذلك عدم الالتزام بإشارات المرور التي وُضعت لتنظيم حركة السير وحماية مستخدمي الطريق، أو الامتناع عن دفع فواتير الماء والكهرباء المستحقة دون مسوّغ قانوني. كما يظهر العِناد في عدم التزام الشخص بالزي الذي تفرضه المؤسسة الحكومية أو الأهلية وفقًا لطبيعة العمل، كما هو الحال في بعض المهن، ومنها مهنة الطب والقضاء والمحاماة، متى كان الالتزام بهذا الزي مقررًا بموجب القواعد والأنظمة النافذة.
ومن صور العِناد أيضًا عدم أداء الموظف واجباته الوظيفية، مع استمراره في تقاضي راتبه دون أن يؤدي العمل المكلّف به، إذ يمثل ذلك إصرارًا على مخالفة الواجب الوظيفي وما تفرضه القواعد المنظمة للوظيفة العامة.
كذلك، فإنَّ إيذاء الآخرين والاعتداء على حقوقهم يُعدّ من صور العِناد، عندما يكون الشخص عالمًا بأنَّ هذا السلوك مخالف للدين والقانون والعُرف الصحيح، ومع ذلك يصرّ على ارتكابه والاستمرار فيه؛ فالأصل أن تُحترم حقوق الآخرين، وألا يُلحق بهم الضرر، عملًا بالقاعدة الفقهية «لا ضرر ولا ضرار».
وعليه، فإنَّ العِناد لا يقتصر على موقف لفظي أو شخصي، وإنما قد يظهر في صورة سلوك عملي يتمثل في الإصرار على مخالفة القواعد والقوانين والواجبات، مع العلم بوجوب الالتزام بها، ودون وجود مبرر مشروع للمخالفة. وقبل الختام يمكن إرجاع العناد الى إحدى الاسباب الاتية:
1- الجهل بنتائج الامور لعدم الخبرة وقلة التجارب في الحياة، وقصر النظر الى الحقائق.
2- الشعور بالنقص لأسباب كثيرة فيلجئ الى العناد ودحض الكلام؛ يعارض من اجل المعارضة، لكي لا يظهر عيب جهله في الموضوع. 
3- إستهزاء بعض الناس من الشخص يولد العناد. وضعف الإرادة واهتزاز الشخصية. والاستهزاء والسخرية لا يصدر الا من الجاهل. قال تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾ سورة البقرة 67. فترك العناد يمنع نشوء معاندين في المجتمع ومشاكل إجتماعية وجرائم.  
4- عدم تغير الوضع النفسي والاجتماعي، الخوف من التغير؛ لما فيه صعوبة أن يغير الإنسان ما إعتاد عليه من سلوك سيء، ولا يكون التغيير إلا إذا أراد الشخص النجاح في الحياة، وفهم قيم المجتمع وحقائق الامور.
5-كثرة توجيه الملامة للإنسان تجعله معاندًا، ولِذا يجب ان لا يلقي الوالدين اللوم كثيرًا على الاطفال في حال إرتكابهم الخطأ، وإستخدام التوجيه والنصح ليتعلموا صحيح القيم. 
6-حاصل الكلام: أنَّ صفة العِناد من الصفات المذمومة وغير المقبولة، ولا تنسجم مع ما جاءت به الأديان السماوية، ولا مع القيم الإنسانية العليا، ولا مع أحكام القانون، ولا مع العُرف المستحسن لدى الناس. فالعناد قد يهلك الإنسان معنويًّا دون أن يموت جسديًّا، ويحرمه من مراجعة نفسه والرجوع إلى الحق.
7- أما رفض السلوك الخاطئ، وعدم الموافقة على ارتكاب ما يخالف القيم الإنسانية والدين والقانون، فلا يُعدّ عنادًا، وإنما هو ثبات على المبدأ وتمسّك بالحق. ومن ثم، فإن ترك صفة العِناد يُعدّ إحدى خطوات تزكية النفس الإنسانية، والتخلّص من الشهوات الدونية، وإصلاح النفس، والتوجّه نحو الخير. ولا تتحقق النجاة والتخلّص من العِناد إلا بتزكية النفس وترويض غرائزها، والارتقاء بها نحو الخير والفضيلة. قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّىٰ﴾ [الأعلى: 14].


تابعنا على
تصميم وتطوير