رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
عندما تتحول الصورة إلى أداة تجارية


المشاهدات 1053
تاريخ الإضافة 2026/10/05 - 9:51 PM
آخر تحديث 2026/10/06 - 12:51 AM

في عالم تحكمه الشاشات وتديره لغة الأرقام، لم تعد الإعلانات مجرد وسيلة للتعريف بالمنتج، بل أصبحت شيئًا أكبر؛ صناعةً معقدة تعتمد على صياغة الرغبات وتوجيه السلوك البشري. وعلى هذا المنوال، تبرز ظاهرة مقلقة تعيد تعريف القيمة الإنسانية، وهي تحويل جسد المرأة إلى أداة تجارية؛ إذ يصبح جسدها في مصيدة التسليع، ويتحول إلى أداة للجذب البصري والتسويق. وفي الظاهر قد يكون السياق لا علاقة له بالمرأة أو بجسدها، لا من قريب ولا من بعيد، لكن خلف الكواليس توجد لعبة تديرها الشركات وغيرها من الأدوات التسويقية بهدف جذب المستهلك وتحقيق الأرباح.
بدايةً، لو نظرنا إلى بعض الرياضات التي تشارك فيها النساء، مثل الجمباز والتنس والكرة الطائرة والكرة الطائرة الشاطئية، سنلاحظ ازدواجية في الملابس الرياضية. فإذا أجرينا مقارنة، سنجد مفارقة كبيرة؛ فلباس الرجال يركز بالدرجة الأولى على الراحة والأداء البدني والستر، بينما نرى في المقابل أن الملابس النسائية تكون في بعض الرياضات أكثر كشفًا، وفي كثير من الأحيان تكون مصممة بطريقة تبرز تفاصيل الجسد بشكل لافت، رغم ممارسة اللعبة نفسها ووجود القوانين نفسها والمكان نفسه. وهنا يبرز التساؤل: لماذا يظهر الرجال بملابس أكثر سترًا، في حين تكون ملابس النساء أكثر كشفًا؟
ومن أبرز الأمثلة على ذلك ما حدث في النرويج عام 2021، عندما رفض منتخب السيدات لكرة اليد الشاطئية ارتداء الملابس التي كانت مفروضة عليهن، واخترن ارتداء ملابس أكثر سترًا. وبعد ذلك فُرضت غرامة مالية على كل لاعبة بسبب مخالفة الزي المعتمد. وهنا يظهر تساؤل أكبر حول الهدف الحقيقي من هذه المعايير: هل يتعلق الأمر فعلًا بالأداء الرياضي، أم أن هناك اعتبارات أخرى مرتبطة بالصورة التي تنقلها عدسات الكاميرات ورغبة المشاهدين، وما يترتب عليها من زيادة المشاهدات وتحقيق الأرباح؟ ومن هنا يمكن القول إن المسألة، في بعض الحالات، تتجاوز الجانب الرياضي لتدخل في دائرة التجارة والتسويق واستغلال صورة المرأة.
وفي الجانب الآخر، لم يسلم القطاع الأكاديمي والتعليمي من هذه الموجة التي تأثرت بها مجتمعاتنا نتيجة الانفتاح الكبير على الثقافات والنماذج الإعلانية الغربية. ففي بعض إعلانات الجامعات، يتم التركيز على تصوير الطالبات بمظهر متحرر أو غير محتشم، مع تجاهل الطلاب أو التنوع الطبيعي في المجتمع، ومن بينهم الطالبات المحجبات والمحافظات. ولا يقتصر الأمر على المؤسسات التعليمية، بل يظهر كذلك في بعض الإعلانات التجارية والمولات وغيرها، مما يكشف كيف أصبحت الأنماط البصرية وسيلة للتأثير في الطلاب والعملاء والزبائن. وكأن المعرفة والعلم والسوق باتت جميعها تحتاج إلى غلاف تسويقي يعتمد على الجاذبية الجسدية.
لكن يبرز تساؤل مهم: هل السوق والإعلام يساهمان في صناعة هذا النمط؟
الجواب أن المعادلة تبادلية؛ فالإعلام، في جانب كبير منه، يستجيب لمتطلبات المستهلك وما يجذب انتباهه. وبذلك يصبح تراجع بعض القيم الأخلاقية في المجتمع وقبول هذا النوع من المحتوى وقودًا للشركات التي تستغل صورة المرأة وتسعى إلى تحويلها إلى وسيلة لجذب الجمهور. وفي الجانب الآخر، هناك من يبرر هذا الأمر تحت مفهوم «الحرية الشخصية»، وهو مفهوم يرى البعض أنه أُزيح عن معناه الأصلي وأصبح يُستخدم لتبرير أنماط مختلفة من اللباس والسلوك التي تتعارض، من وجهة النظر الإسلامية، مع تعاليم الإسلام وقيمه.
لكن هذا الجمهور لم يأتِ من فراغ؛ فقد ساهمت الآلة الإعلامية، على مدى سنوات طويلة، في تشكيل الذوق العام وتغذية البصر بصورة مستمرة، حتى أصبح النجاح والمتعة والجمال يُربط بها أحيانًا التحرر الجسدي وما يسمى بالحرية الشخصية. وهنا يتحول الجسد من قيمة إنسانية إلى سلعة، وتفقد الصورة معناها الإنساني لتصبح أداة لتوليد الأرباح.
وفي الختام، فإن استغلال جسد المرأة في التجارة ليس بالضرورة تحريرًا لها كما يزعم البعض، بل قد يتحول إلى شكل جديد من أشكال الاستغلال التجاري الذي يحصر قيمتها في مظهرها الخارجي. ويمكن القول إن المشكلة لا تكمن في وجود المرأة في الإعلان التجاري، وإنما في اختزال قيمتها الإنسانية في شكلها وجسدها واستخدامهما وسيلةً لجذب المستهلك. ومواجهة هذا الأمر تتطلب وعيًا من الجميع: الشركات والإعلام والمستهلك، حتى لا تختزل المرأة، سواء أكانت أكاديمية أم رياضية أم عاملة، في مجرد صورة تجارية أو جسد يُستخدم لتحقيق الأرباح.
 


تابعنا على
تصميم وتطوير