
كان الشتاء في ذاكرة العراقيين لا يبدأ في التقويم وحده بل كانت له علامات يعرفها الناس قبل أن تعلنها نشرات الطقس. فما إن تهبط درجات الحرارة وتبدأ الغيوم بالتجمع حتى تستعيد البيوت العراقية طقوسها القديمة وتتهيأ لاستقبال موسم البرد بما يحمله من دفء وذكريات.
في الأزقة الشعبية كانت الأمهات يخرجن البطانيات الثقيلة من الصناديق والخزائن وينفضن عنها غبار الصيف ثم يعرّضنها للشمس قبل أن تعود إلى الأسرة. وكانت المدافئ النفطية تستعيد مكانتها في غرف الجلوس بينما يبدأ البحث عن الكاز وتعبئة التنكات الصغيرة استعدادا لأيام البرد الطويلة.
أما المطبخ فكان له موعد آخر مع الشتاء. تعود رائحة العدس والشوربة والبقوليات إلى البيوت، وتظهر القدور الكبيرة التي تجمع أفراد العائلة حول مائدة واحدة. وكان الشاي الساخن حاضرا في كل وقت تقريبا خصوصا عندما تهطل الأمطار وتغسل الشوارع والأرصفة.
ومن أجمل صور الشتاء في الذاكرة العراقية تجمع أفراد الأسرة حول المدفأة. يجلس الأب والأم والأبناء متقاربين يتبادلون الأحاديث والحكايات بينما تتراقص ألسنة اللهب أو تتوهج نار المدفأة وسط الغرفة. وكان الأطفال يجدون في ليالي الشتاء فرصة لسماع قصص الكبار واستعادة حكايات الجدات التي لا تنتهي. وفي المدارس كان المطر جزءا من ذاكرة الصباحات الباردة. يصل التلاميذ بملابسهم الثقيلة وأحذيتهم المبتلة ويتبادلون الحديث عن المطر والطين وعن الشوارع التي تحولت إلى برك صغيرة. هكذا كان الشتاء العراقي موسما للعائلة أكثر مما كان موسما للبرد.
وكانت تفاصيله البسيطة تصنع ذاكرة لا تزال تسكن في وجدان الذين عاشوا تلك الأيام. فحين يأتي الشتاء اليوم يستعيد كثير من العراقيين رائحة الكاز وصوت المطر ودفء المدفأة ووجوه الأحبة الذين كانوا يجتمعون حولها.