
في بغداد العباسية، يُروى أن الخليفة المأمون كان يعطي حنين بن إسحاق وزن ما يترجمه ذهبًا. كانت الكلمة المنقولة من لغة إلى أخرى تُعدّ ثروة، وكان المترجم يُعامل معاملة العالم والحكيم.
اليوم، بعد أكثر من ألف عام، تستطيع آلة أن تنقل كتابًا كاملًا من لغة إلى أخرى في دقائق، ولا تكاد تتقاضى شيئًا. ويكفي أن يضغط المستخدم زرًا واحدًا على هاتفه حتى يقرأ صحيفة يابانية أو يحادث بائعًا في سوق تركي.
بين هذين المشهدين تقف مهنة الترجمة في ٣٠ أيلول من كل عام، وهو اليوم الذي خصصته الأمم المتحدة للاحتفاء بالمترجمين. لكن احتفال هذا العام يأتي محمّلًا بسؤال لم يكن مطروحًا بهذه الحدة من قبل: هل ما زال للمترجم البشري مكان في عالم تتكلم فيه الآلات كل اللغات؟ وإن كان له مكان، فما شكله؟
يحاول هذا التحقيق أن يجيب عن السؤال بالعودة إلى الجذور أولًا، ثم بالإصغاء إلى أهل المهنة أنفسهم.
___________________
يطلق الإتحاد الدولي كل عام شعاراً يعكس قضايا المرحلة وتحديات المهنة:
* ٢٠١٩: «الترجمة ولغات السكان الأصليين»، في العام الذي أعلنته الأمم المتحدة عاماً دولياً لهذه اللغات.
* ٢٠٢٠: «إيجاد الكلمات لعالم في أزمة»، في عام الجائحة، حين صارت ترجمة التعليمات الصحية مسألة حياة أو موت.
* ٢٠٢٣: «الترجمة تكشف وجوه الإنسانية المتعددة».
* ٢٠٢٤: «الترجمة… فن يستحق الحماية».
* ٢٠٢٥: «الترجمة… صناعة مستقبل يمكن الوثوق به».
* ٢٠٢٦: «التنوع اللغوي والحقوق اللغوية»، والعنوان الفرعي «قوة أن تُفهَم».
سبعة آلاف لغة وجسر واحد
يتحدث البشر اليوم نحو سبعة آلاف لغة، أكثرها منطوق لا يُكتب، وكثير منها مهدد بالانقراض. ولولا الترجمة لبقيت كل لغة جزيرة معزولة لا تصل تجارب أهلها ومعارفهم إلى غيرهم.
فالترجمة ليست ترفًا ثقافيًا. بها تُعقد المعاهدات وتُفضّ النزاعات، وبها تنتقل الأدوية وتعليماتها، وتصل الأخبار، ويُحاكم المتهم بلغة يفهمها، ويقرأ الطفل أدب شعوب لم يرها قط. وحين تغيب الترجمة أو تسوء، يدفع الناس الثمن سوء فهم، وأحيانًا دمًا.
من دلماسيا إلى بيت لحم: حكاية التاريخ
لم يكن اختيار ٣٠ أيلول مصادفة. ففي هذا اليوم من سنة ٤٢٠م توفي القديس جيروم، الذي يُعدّ شفيع المترجمين في التقليد المسيحي.
وُلد جيروم في إقليم دلماسيا على الساحل الأدرياتيكي، في كرواتيا اليوم، وعاش حياة ترحال طويلة بين روما وأنطاكية والقسطنطينية ومصر، حتى استقر في بيت لحم واختار فيها حياة الزهد والتقشف. وهناك أمضى سنوات طويلة يترجم الكتاب المقدس إلى اللاتينية معتمدًا على أصوله العبرية واليونانية. فصارت ترجمته هي المعتمدة في الكنيسة الكاثوليكية قرونًا طويلة، وصار اسمه مرادفًا للصبر والتدقيق في نقل النص.
عام ١٩٥٣ تأسس في باريس الاتحاد الدولي للمترجمين. وهو اليوم يجمع جمعيات مهنية للمترجمين التحريريين والفوريين والمصطلحيين من مختلف القارات، ويُصدر مجلة «بابل» ونشرة «ترانسلاتيو»، وينظم المؤتمرات، ويمنح جوائز تكريمية للمترجمين المتميزين.
وفي عام ١٩٩١ دعا الاتحاد إلى جعل ٣٠ أيلول مناسبة معترفًا بها تُظهر تضامن المترجمين في العالم وتعزز مكانة المهنة في مختلف الدول. ومع أن التاريخ مرتبط بقديس مسيحي، صارت المناسبة احتفالًا إنسانيًا يتجاوز الأديان والحدود. وكان من غاياتها منذ البداية أن تذكّر كل من يستفيد من الترجمة بقيمة من يقدمها. فالمترجمون يعملون في الغالب بإتقان وصمت، ويبقى أكثرهم في الظل رغم أن نتاجهم حاضر في كل مكان.
اعتراف أممي
جاء الاعتراف الدولي في ٢٤ أيار/مايو ٢٠١٧، حين اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار ٧١/٢٨٨ الذي أعلن ٣٠ أيلول يومًا دوليًا للترجمة. وأكد القرار دور الترجمة الاحترافية في الربط بين الأمم، وفي تعزيز السلام والتفاهم والتنمية.
تقدّمت بمشروع القرار إحدى عشرة دولة، هي: أذربيجان، وبنغلاديش، وبيلاروسيا، وكوستاريكا، وكوبا، والإكوادور، وباراغواي، وقطر، وتركيا، وتركمانستان، وفيتنام.
ودعمت اعتماده منظمات مهنية عدة، منها:
- الرابطة الدولية لمترجمي المؤتمرات الفوريين.
- الرابطة الدولية للمترجمين التحريريين والفوريين المحترفين.
- الاتحاد العالمي لمترجمي لغة الإشارة.
- منظمة «كريتيكال لينك» الدولية.
- منظمة «ريد تي» المعنية بحماية المترجمين في مناطق النزاع.
ولهذه المنظمة الأخيرة دلالة خاصة. فالمترجمون في مناطق الحروب، ومنها العراق، كثيرًا ما دفعوا حياتهم ثمنًا لعملهم. فقد عدّتهم بعض الأطراف متعاونين مع طرف أو آخر، بينما كانوا في الحقيقة جسورًا للتواصل.
شعارات تواكب العالم
وتكشف قراءة هذه الشعارات متتابعة عن تحوّل لافت. فالسنوات الأخيرة انشغلت بالحماية والثقة والحقوق، وهي كلمات لا تُرفع عادة إلا حين يشعر أصحابها بأن شيئًا ما مهدد.
ولم يعد الاحتفال شأنًا نقابيًا مغلقًا. فالجمعية الأمريكية للمترجمين، مثلًا، تحييه منذ عام ٢٠١٨ بحملات على مواقع التواصل تعرّف الجمهور بعمل المترجمين. ففي عامها الأول نشرت رسومًا بيانية عن طبيعة المهنة، وفي العام التالي أطلقت مقطعًا مصورًا عن يوم في حياة مترجم.
بغداد.. حين كانت الترجمة مشروع دولة
قبل أن يعرف العالم يومًا للترجمة بقرون، كانت بغداد قد جعلت منها مشروع دولة.
ففي العصر العباسي قام بيت الحكمة، وبلغ أوج ازدهاره في عهد المأمون. ولم يكن مكتبة فحسب، بل مركزًا للبحث والترجمة والرصد الفلكي. نُقلت فيه مؤلفات من اليونانية والفارسية والسريانية والهندية إلى العربية، فانتقلت علوم الطب والفلك والرياضيات والفلسفة إلى الحضارة الإسلامية.
ولم تنشأ هذه النهضة من فراغ. فقد بنت على تراث سبقها، هو تراث المترجمين السريان الذين نقلوا الفلسفة اليونانية إلى السريانية قبل الإسلام، وتراث مدرسة جنديسابور الطبية. ثم تجاوزت بغداد هذا التراث اتساعًا وتنظيمًا ورعاية.
ومن أعلام تلك الحركة:
- ابن المقفع: سبق عصر بيت الحكمة، ونقل التراث الفارسي إلى العربية، وأشهر ترجماته «كليلة ودمنة» التي صارت من عيون النثر العربي.
- حنين بن إسحاق: نقل مئات الكتب الطبية والفلسفية. وكان يجمع مخطوطات متعددة للكتاب الواحد ويقابل بينها قبل أن يترجم، في منهج يسبق كثيرًا مما يُعدّ اليوم من أصول التحقيق العلمي.
- ثابت بن قرة: الرياضي والفلكي الذي ترجم أعمالًا كبرى في الهندسة والفلك.
- آل بختيشوع: أسرة جمعت بين الطب والترجمة العلمية.
- الكندي: الفيلسوف الذي راجع الترجمات وأضاف إليها شروحه ومقارباته.
وعرف مترجمو ذلك العصر الجدل الذي لا يزال قائمًا حتى اليوم: هل ينقل المترجم الكلمة أم المعنى؟ فقد ذكر المؤرخون أن بعض المترجمين الأوائل كانوا ينقلون الكلمة بالكلمة، فتخرج ترجماتهم غامضة. أما حنين ومدرسته فكانوا يقرؤون الجملة كاملة ويفهمون معناها، ثم يصوغونها بعربية سليمة. وهذا تحديدًا هو الفرق الذي يعود اليوم إلى صلب النقاش حول الآلة والإنسان.
ومن بغداد انتقلت هذه المعارف إلى الأندلس وصقلية. وفي طليطلة، بعد قرون، ترجم العلماء الكتب العربية إلى اللاتينية، فوصلت إلى جامعات أوروبا وكانت من قواعد نهضتها. فالترجمة العراقية في العصر العباسي لم تخدم حضارتها وحدها، بل أسهمت في صياغة التاريخ العلمي للعالم.
من القلم إلى الخوارزمية
عبر القرون تغيّرت أدوات المترجم مرات عدة. كان الورّاق في بغداد يعمل بالقلم والمخطوطة، ثم جاءت المطبعة فوسّعت انتشار الكتب المترجمة. وفي القرن العشرين ظهرت المعاجم الحديثة والترجمة الفورية في المؤتمرات الدولية، ثم الحاسوب وقواعد المصطلحات وذاكرات الترجمة التي تحفظ ما سبق ترجمته.
أما الترجمة الآلية فبدأت محاولاتها في خمسينيات القرن الماضي، في ذروة الحرب الباردة، بقواعد لغوية جامدة. ثم انتقلت إلى الأساليب الإحصائية التي تتعلم من ملايين النصوص المترجمة، ثم إلى الشبكات العصبية. وحين أطلقت غوغل نظامها للترجمة الآلية العصبية عام ٢٠١٦، شاع أن المترجم البشري في طريقه إلى الزوال.
لم يحدث ذلك يومها. لكن النماذج اللغوية الكبيرة التي ظهرت بعد سنوات قليلة غيّرت المعادلة جذريًا. فالآلة لم تعد تترجم جملة بجملة، بل صارت تقرأ السياق، وتحاكي الأساليب، وتكتب بنبرة رسمية أو شعبية حسب الطلب، وتتنقل بين عشرات اللغات في آن واحد.
وقد فتح ذلك أبوابًا واسعة: وصول أسرع إلى المعرفة، وترجمة فورية للأخبار والوثائق، وأدوات تساعد المترجم في البحث عن المصطلح وتوحيده، وتنسخ النصوص المصورة، وتقارن بين الأصل والترجمة.
السوق تتغير: أجور تتراجع وطلبات «آلية»
لكن للصورة وجهًا آخر. ففي ندوة نظمها معهد اللغويين المجازين في بريطانيا، وحضرها نحو ثلاثمئة مترجم عبر الإنترنت، انقسم الحاضرون بين من يرى في هذه الأدوات فرصة لزيادة الإنتاج ومن يخشى على مستقبله المهني. واشتكى كثيرون، ولا سيما المستقلون الذين يشكلون الشريحة الأكبر في المهنة، من تراجع فرص العمل، ومن عملاء يساومونهم على الأجور بحجة وجود الآلة.
والصورة في العالم العربي ليست مختلفة. ففي استطلاع أجرته مجلة «المجلة» مع مترجمين عرب، قال المترجم السوري المقيم في السويد حسام موصللي إن الطلب على الترجمة البشرية تراجع وتغيرت طبيعته. فالعملاء صاروا يفضّلون ترجمة آلية تُراجَع بشريًا بسعر أقل. ويرى أن ضعف التنظيم المهني في العالم العربي يترك المترجم وحيدًا أمام هذا الضغط.
ويؤكد المترجم السوري عماد الأحمد أن معظم الطلبات باتت تشترط الترجمة الآلية ثم التنقيح. ويضيف أن هذا التحول لم يعد مقتصرًا على النصوص التقنية، بل بدأ يمتد إلى مجالات كانت حكرًا على الإنسان. لكنه ينبه إلى مفارقة: المراجعة صارت أصعب من الترجمة نفسها، لأن أخطاء الآلة خفية، تختبئ خلف جمل سلسة، ولا يكشفها إلا وعي لغوي حاد.
أما المترجمة السعودية نوف الميموني فهي أقل اطمئنانًا من زملائها. فهي ترى أن الآلة نظام يتعلم ويتحسن باستمرار، وتتوقع أن يتقلص دور المترجم إلى مراجعة الأبعاد الثقافية للنص. وتحذر من أن الترجمة الطبية والعلمية والقانونية قد تتحول لصالح الآلة ما لم يتخصص المترجمون تخصصًا عميقًا. وترى أن أخطر ما في الترجمة الآلية أنها توهم بجودة لا وجود لها: نص سليم في ظاهره، فقير في دقته وعمقه.
غرفة الأخبار: حيث لا مكان للخطأ
في الإعلام تحديدًا تتضاعف المخاطر. فغرف الأخبار تعمل تحت ضغط الوقت، والترجمة الآلية تبدو حلًا مغريًا لنقل البيانات والتصريحات والتقارير الأجنبية بسرعة.
لكن خبرًا واحدًا مترجمًا خطأً قد يشعل أزمة. فالآلة قد تخلط بين أسماء المسؤولين، أو تنقل مصطلحًا سياسيًا بمعنى يحمل موقفًا لم يقصده المصدر، أو تحوّل النفي إلى إثبات في جملة معقدة. وفي منطقة كالشرق الأوسط، حيث لكل كلمة ظلال سياسية وطائفية، يبقى المحرر المترجم خط الدفاع الأخير. فهو وحده يعرف أن اختيار كلمة بدل أخرى قد يكون موقفًا لا مجرد ترجمة.
ما لا تستطيعه الآلة
رغم كل هذا التقدم، تبقى مساحات يصعب على الآلة دخولها:
- *كشف أخطاء الأصل*: إذا حمل النص المصدر معلومة خاطئة أو رقمًا مغلوطًا أو تناقضًا، نقلته الآلة بأمانة عمياء، بينما يتوقف المترجم ويسأل.
- *المعنى الثقافي*: الإيحاء والسخرية والمثل والسياق الديني والسياسي مواضع تتعثر فيها الخوارزميات كثيرًا.
- *الشحنة العاطفية*: قد يعيد المترجم بناء جملة كاملة بألفاظ مختلفة ليحدث في القارئ الأثر نفسه الذي أحدثه الأصل.
- *نحت المصطلح*: إيجاد لفظ عربي لمفهوم جديد يحتاج إلى معرفة بالاشتقاق وذوق لغوي، كما فعل مترجمو بيت الحكمة حين صاغوا مصطلحات الفلسفة والطب.
- *المسؤولية*: في النصوص القانونية والطبية والإعلامية قد يكلّف خطأ واحد ثمنًا باهظًا، ولا يتحمل تبعته إلا إنسان.
- *الخصوصية*: حين يرفع المستخدم عقدًا سريًا أو ملفًا طبيًا إلى أداة ترجمة على الإنترنت، لا يعرف دائمًا أين تذهب بياناته.
ويقدم الفيلسوف المغربي طه عبد الرحمن تمييزًا يعين على فهم هذا الفرق، إذ يقسم الترجمة إلى ثلاثة أنماط:
- التحصيلية: تنقل النص كما هو، بلا تمييز ولا تقويم.
- التوصيلية: تتصرف فيه بقدر ما تقتضيه سلامة اللغة المنقول إليها.
- التأصيلية: تكيّف المنقول مع المجال التداولي للمتلقي، لغةً ومعرفةً وعقيدة.
والآلة، مهما تطورت، تعمل في الغالب عند المستوى الأول. أما المستويان الآخران فيتطلبان وعيًا بالسياق والثقافة لا يملكه إلا الإنسان.
ويذهب المترجم العراقي المقيم في فرنسا كاظم جهاد أبعد من ذلك. ففي حديثه لـ«المجلة» يضع المسألة في سياق فلسفي أوسع عن علاقة الإنسان بالتقنية. ويذكّر بأن رولان بارت حين تحدث عن «موت المؤلف» أراد تحرير النص من سلطة كاتبه، أما الذكاء الاصطناعي فيوشك أن يلغي ذاتية المؤلف والمترجم معًا. ويلاحظ أن النصوص المولّدة آليًا تميل إلى الكليشيهات والتعابير الجاهزة.
ويحذر المترجم المغربي محمد آيت حنا من أن الخطر الأكبر ليس في الآلة نفسها، بل في أن يعتاد القارئ لغتها فيفقد حساسيته اللغوية تدريجيًا، وأن تقبل بها دور النشر. ومع ذلك لا يدعو إلى مقاطعتها، بل إلى استعمالها كما تُستعمل النار: «نستخدمها لطبخ طعامنا، لا لحرق بيوتنا».
الجامعة: جيل يتعلم أم جيل ينسخ؟
يطال القلق قاعات الدرس أيضًا. فكاظم جهاد يحذر من اعتماد الطلبة المتزايد على الذكاء الاصطناعي في إعداد البحوث والترجمات، لأن قيمة التعلم في الجهد الذهني الذي يبذله الطالب، لا في النتيجة الجاهزة.
والسؤال مطروح بقوة على أقسام الترجمة في الجامعات العربية، ومنها الجامعات العراقية: كيف يُدرَّس طالب يستطيع أن يحصل على ترجمة كاملة في ثوانٍ؟ والإجابة التي تتبلور في كثير من الجامعات حول العالم ليست المنع، بل تغيير ما يُدرَّس. فالتركيز ينتقل من الترجمة المباشرة إلى المراجعة النقدية، وإدارة المصطلحات، والتخصص الدقيق، وفهم الثقافات، وتعلم استعمال الأدوات مع معرفة حدودها.
الأدب.. الحصن الأخير؟
في الترجمة الأدبية تبدو الصورة أكثر طمأنينة. فالمترجمة السورية بثينة الإبراهيم تقول إن بعض دور النشر تشترط صراحة خلوّ الترجمة من أي استخدام آلي، وإنها لا تستعمل هذه الأدوات إلا للبحث التمهيدي، كما يستعمل الباحث محرك البحث. وتروي أنها احتاجت مرة إلى كسر قواعد العربية عمدًا لتنقل صوت شخصية روائية، وهي مغامرة لغوية لا تقدم عليها الآلة.
ويقدم المترجم العراقي المقيم في إيطاليا كاصد محمد مثالًا من تجربته. فحين ترجم كتاب بريمو ليفي عن معسكرات الاعتقال النازية، استعاد ذاكرته الشخصية عن الجوع في العراق أيام الحصار. وتلك تجربة إنسانية لا تملكها أي خوارزمية، وهي ما يمنح الترجمة صدقها. ويرى أن قارئ الأدب المترجم يبحث عن بصمة المترجم وأسلوبه، لا عن نص محايد يشبه كل النصوص.
مهارات المترجم الجديد
إذا كان المترجم لن يختفي، فإنه سيتغير. ومن مجموع الآراء التي استمع إليها هذا التحقيق، تتضح ملامح المترجم الذي سيبقى:
- متخصص: يعرف الطب أو القانون أو الاقتصاد أو السياسة معرفة عميقة، لا لغتين فقط.
- مراجع نقدي: يتقن اكتشاف الأخطاء الخفية في الترجمة الآلية، وهي مهارة أصعب من الترجمة نفسها.
- وسيط ثقافي: يفهم ما وراء الكلمات من تاريخ ودين وعادات وحساسيات.
- متقن للأدوات: يستعمل الذكاء الاصطناعي في البحث والمسودات الأولى، ويعرف أين يتوقف.
- صاحب بصمة: خصوصًا في الأدب والفكر، حيث لا يُطلب النص الصحيح فقط، بل النص الجميل.
العراق: لغات تبحث عن مكان في الخوارزمية
يحمل شعار هذا العام، «التنوع اللغوي والحقوق اللغوية»، معنى خاصًا في العراق، حيث تتعايش العربية والكردية بلهجاتها، والتركمانية، والسريانية، وغيرها.
والأدوات الذكية تتفوق في اللغات الواسعة الانتشار على الإنترنت، لكنها تتعثر في اللغات واللهجات الأقل حضورًا. فما تقدمه الآلة بالإنجليزية أو الفرنسية لا تقدمه بالجودة نفسها للتركمانية أو السريانية. وهكذا قد تعمّق التقنية، من حيث لا تقصد، الفجوة بين لغات قوية وأخرى مهمّشة.
لذلك فإن ترجمة الإعلام والخدمات العامة والوثائق الرسمية إلى لغات العراق ليست ترفًا، بل حق من حقوق المواطنة وشرط للمشاركة المتساوية. وهذه اللغات تحتاج إلى جهد بشري ومؤسسي لبناء مدوّناتها وقواميسها ومصطلحاتها الحديثة، حتى لا تبقى على هامش ثورة الذكاء الاصطناعي.
وهذا الجهد في جوهره امتداد معاصر لإرث بيت الحكمة، الذي جمع لغات عدة تحت سقف واحد، وجعل التعدد مصدر ثراء لا سببًا للفرقة.
خاتمة: المترجم لم يمت.. لكنه تغيّر
تكاد الأصوات التي استمع إليها هذا التحقيق تجتمع على نتيجة واحدة: الذكاء الاصطناعي لن يُلغي المترجم، لكنه يعيد تعريفه.
فالمترجم اليوم يراجع ويحرر ويدقق، ويقرر ما يصلح للنشر وما لا يصلح، وهو الضامن الأخير للمعنى والأمانة. والخاسر الأول هو من يترجم أصلًا بطريقة آلية. أما من يتقن الأدوات ويحتفظ ببصمته فقد يكون أقوى من أي وقت مضى.قبل ألف ومئتي عام كان حنين بن إسحاق يجمع المخطوطات ويقابل بينها ليصل إلى المعنى الصحيح، ثم يصوغه بعربية لا تشبه لغة غيره. واليوم تستطيع الآلة أن تنجز في ثوانٍ ما كان ينجزه في شهور. لكنها لا تستطيع أن تفعل ما فعله حقًا: أن يفهم، ثم يقرر، ثم يتحمل مسؤولية ما قرر.
وتلك هي الحقيقة التي يذكّر بها ٣٠ أيلول كل عام: الترجمة فهمٌ قبل أن تكون نقلًا، والإنسان هو من يمنح الكلمة معناها.
*باحث في شؤون الدراسات والثقافات الشرق أوسطية