
رام الله/متابعة الزوراء
منذ بدء حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة في الثامن من أكتوبر/تشرين الأول 2023، لم تعد صور القتل والدمار والمجاعة وحدها الحاضرة في المشهد الفلسطيني على منصات التواصل الاجتماعي، إذ رافقتها أيضاً محاولات متواصلة لإعادة صياغة ما يحدث، مع اختلاف دوافع هذه المحاولات، التي اتخذت أحياناً منحى مختلفاً عبر تحويل الإبادة والمحو إلى قصص عن الصمود والبطولة والأمل.
توازياً مع هذا النمط من السرد، بدأت الصحفية الفلسطينية سجى حمدان نشر سلسلة قصص عبر مواقع التواصل الاجتماعي بعنوان «رمسنة الإبادة»، حاولت من خلالها تفكيك الطريقة التي يُنظر بها إلى تجربة الفلسطينيين خلال الإبادة. تنطلق سجى حمدان، المقيمة حالياً في بريطانيا، في سلسلتها هذه من مناقشة كيفية تحويل الصمود، بوصفه جزءاً من قصة غزة، إلى القصة الأساسية، بحسب وصفها. توضح أنها التقطت هذه الزاوية السردية عقب مناقشة ورقة بحثية مع عدد من الباحثين من جنسيات مختلفة في إحدى الجامعات البريطانية. وكان لديهم تصور واحد مفاده أن الفلسطيني بطل ويمكنه تحمّل ما لا يحتمله أحد. هنا، طرحت سؤالاً: ماذا يحدث عندما نحاول جعل الإبادة قابلة للسرد بطريقة أكثر احتمالاً بالنسبة إلى المتلقي؟
تقول حمدان، في حديث إلى «العربي الجديد»، إن معظم الأمثلة التي تذكرها في السلسلة، من طفل يستكمل تعليمه في الخيمة إلى شاب يحاول إيجاد بدائل للطاقة، لا تأتي من موقف ضد الصمود، موضحة: «أنا مهتمة بسؤال أساسي: كيف نروي هذه الحقائق على الأرض؟ فجميع الأمثلة التي أذكرها في السلسلة، عن طفل يستكمل تعليمه في الخيمة أو شاب يحاول إيجاد بدائل للطاقة، موجودة بالفعل، لكن ما أنا ضده هو نقص السياق أو أخذها إلى معنى ثانٍ مجتزأ».
تضيف: «هل يجب دائماً أن تكون هذه الإبادة وما ينتج عنها من قصص ملهمة؟ فما لاحظته في العديد من اللقاءات والمؤتمرات الأكاديمية هو أن الجميع يحب قصص أهالي غزة لأنها ملهمة بنظرهم. وهل يقع على عاتق أهل غزة، فوق كل معاناتهم، أن يُشعروا المتلقي أيضاً بالإلهام، لكي يشعر هو بالراحة تجاه ما يجب فعله من طرفه متلقياً ومتفرجاً على الإبادة؟».
تستخدم حمدان مصطلح «الرمسنة» في محاولة لقراءة الظروف المحيطة بالإبادة، حين تتحول التجربة الفلسطينية، من واقع مليء بالقتل بأبشع الطرق والفقد وطوابير التكية والنزوح، إلى صور وقصص رومانسية عن «الشعب الذي لا ينكسر»، أو عن الإنسان الذي يستطيع دائماً تحويل مأساته إلى مصدر للقوة والإلهام، مع تناسي أن ثمة مدينة تُباد وشعباً يُحرم من أبسط حقوقه.
تطرح حمدان، في إحدى حلقات السلسلة، سؤال «من يفهم الإبادة أكثر؟»، في محاولة للتوقف عند الفجوة بين من يعيش الحدث ومن يراقبه من الخارج. فالإبادة بالنسبة إلى الغزي ليست مادة بصرية أو خبراً عاجلاً، وإنما تجربة يومية تمتد إلى تفاصيل الحياة الأكثر عادية: الحصول على الطعام والماء، والبحث عن مكان آمن، وانتظار خبر عن أفراد العائلة، أو محاولة النوم على الرغم من أصوات القصف. تتابع حمدان أن أخطر الروايات، بنظرها، هي الرواية الصحيحة التي حُذف جزء منها أو حُذف سياقها، وهي أخطر من الرواية الكاذبة، لأنها تحاول تسليط الضوء على الجزء الملهم من القصة. وهو ما ينطبق على مصطلح «الرمسنة»، الذي يعني إضفاء طابع جمالي وملهم على تجربة عنيفة وقاسية، حتى نجعلها قابلة للمشاهدة وأقل إزعاجاً للمتلقي، عبر اقتطاع الأمل والبطولة والتضحية من سياق العنف والإبادة الذي أوجد أساساً الحاجة إلى هذا الصمود. بالتالي، يصبح السؤال: كيف يصمدون؟ بدلاً من: ما الظروف التي أجبرتهم على هذا الصمود؟ تشير إلى أن هذه المسافة بين التجربة ومعاينتها تطرح، بحسب سلسلة «رمسنة الإبادة»، سؤالاً آخر حول قدرة الآخرين على الحديث باسم الضحايا أو تفسير مشاعرهم، إذ إن التعاطف، عندما ينفصل عن تجربة أصحابه، يمكن أن يتحول إلى إعادة إنتاج صورة محددة عنهم، بدلاً من الاستماع إلى ما يقولونه فعلاً.لا تتوقف «رمسنة الإبادة» عند الطريقة التي ينظر بها الآخرون إلى الضحايا، بل تنتقل إلى صورة الفلسطيني نفسه، وفقاً لحمدان. ففي حلقة «هل الإبادة تصنع أبطالاً؟»، تضع الكاتبة فكرة البطولة موضع مساءلة، خصوصاً عندما تصبح المعاناة الفلسطينية مرتبطة بصورة «البطل» القادر على الاحتمال مهما بلغت قسوة الظروف. فالطفل الذي يعيش القصف، والأم التي فقدت أبناءها، والعائلة التي نزحت مرات عدة، والجائع الذي يبحث عن الطعام، لا يحتاجون بالضرورة إلى أن يُقدَّموا باعتبارهم أبطالاً خارقين، تقول حمدان، لأنهم، قبل كل شيء، بشر يعيشون ظروفاً استثنائية فُرضت عليهم. ترى أن الإفراط في تمجيد قدرتهم على التحمّل قد يؤدي إلى إخفاء سؤال أكثر إلحاحاً: لماذا يُطلب منهم أن يتحملوا كل ذلك أصلاً؟
ترى حمدان أن أهمية السلسلة تكمن في أنها لا تكتفي بتوثيق الألم، بل تحاول النظر في الطريقة التي يُنتَج بها هذا الألم داخل الخطاب الإعلامي والرقمي. فالصورة التي تُظهر طفلاً مبتسماً وسط الركام قد تبدو مؤثرة، لكنها قد تختزل واقعاً أعقد في لحظة واحدة.
كذلك، قد تمنح عبارة «غزة لا تنكسر» المتلقي شعوراً بالقوة، لكنها قد تخفي، في الوقت نفسه، حجم ما يعيشه سكان القطاع من إنهاك وخسارة وخوف. بهذا، تطرح السلسلة سؤالاً صعباً لا يمكن تجاهله حين نكتب: هل نستمع إلى غزة، أم أننا أحياناً نعيد كتابة غزة بالطريقة التي نريد أن نراها بها؟
(عن/صحيفة العربي الجديد)