رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
طه جزاع يعيد تشكيل المكان من نافذة “ زخيخة ”


المشاهدات 1071
تاريخ الإضافة 2026/09/23 - 8:17 PM
آخر تحديث 2026/09/24 - 12:52 AM

أول عهدي بالمكان -غير المفهوم الجغرافي- كان في ندوة ثقافية أقامها معرض الشارقة الدولي للكتاب في إحدى دوراته، شارك فيها د. عمر عبد العزيز مدير الدراسات والنشر في دائرة الثقافة بالشارقة، والروائية الإماراتية فتحية النمر، وغيرهما.
ذكر الدكتور عمر أن المكان لا يموت بهجره أهله، فبوقت قصير تسكنه عوالم عدة من المخلوقات الحية، قططٌ وفراشات، وفئران وحشرات، وتبدأ منه رحلة حيوات جديدة، تكبر مدة بقائها وشغلها لذلك المكان. واعترضت فتحية النمر على من يرى في المقابر أمكنة مخيفة، ورأت أنها مجمع الراحلين الأحباب، والسابقين من الأهل والأصحاب.
بعد سنوات، ربما عشر أو تزيد، وفي المتنبي، مكان هو الآخر، أكبر من كونه مخازن للكُتب، وملتقى للنُّخب، أكرمني البروفيسور الفيلسوف طه جزاع برائعته (زخيخة)، وهو كتاب جديد أهداه لي، علمت أني الأخير في ترتيب من أهدي لهم، بحكم كوني خارج العراق، وعلمت أن أكثر من ثلاثين استاذاً كتبوا عن هذا الكتاب، قرأت معظمها ولم أرتوِ إلا بالحصول على الكتاب.
اختلستُ قُبلة على رأس أستاذي جزاع في لقاء بعد غياب، ووجدت لذلك معنى بعد قراءة كتابه، فقد نجلس في مكان ما لحظات فيمنحنا ذاكرة عمر كامل، ونطيل المكوث في مكان دهوراً فلا يمنحنا لحظات في الذاكرة.
86 صفحة، طبعتها دار عدنان للنشر في بغداد تحت عنوان (زخيخة الخيال وذاكرة المكان - تطبيق لجماليات غاستون وباشلار)، وذيلت صفحة الغلاف قبل الأخير (بباركود) مرئي، أبدع صانعه التميمي محمد خليل في نقل صورة نابضة بالحياة عن ذلك المكان، ليشكل مع نص الكتاب مزيجاً من الدهشة والفضول.
زخيخة، جغرافياً، قرية زراعية، تقع في ناحية البغدادي، وهذه الناحية تابعة لقضاء هيت في محافظة الأنبار غربي العراق، وصفتها مصادر أنها قرية (وادعة)، شأنها شأن من يستلقي برخاء على ضفاف نهر الفرات؟!.
يستلهم أستاذنا جزاع من زخيخته :(أن الأمكنة التي نشأنا فيها تكتبنا قبل أن نكتبها) و (أن المكان لا يصبح جمالياً إلا حين يعبر الذاكرة ويتحول إلى صورة)، و (أن كتابة المكان لا تستعيده وإنما تعيد ترتيبه داخل الوعي) و (تجعله يتصالح مع الزمن).
ويذكر أيضاً: (الذاكرة حين تكتب، تمنح المكان فرصة أخرى للحياة)، و (المكان لا يتبدل وحده، بل بقدر ما نغادره ونعود إليه محملين بالزمن)، و (الأمكنة التي لا تُكتب تموت مرتين، مرة في الواقع ومرة في الذاكرة، والتي تُكتب تجد طريقة للبقاء ولو في اللغة)، و(أن الأمكنة التي نغادرها في الحياة، قد تختارنا قي النهاية).
واستمر إلهام زخيخة مع القراءة، وبدأ يفتش عن المكان في عقولنا، فوضعت مقاربة بين مكان النشأة التي أشار إليها ومكان الغربة التي عشتها، ولا أزال. عرفت من زخيخة أن مكان النشأة يكتب عمن عاشوا فيه قبل أن يكتبوا هم عنه، ورأيت أن في الغربة أمكنة تأكلنا لا تكتبنا، وتضع المسمار الأخير في النعش، أو بعبارة أهدأ، نقطة في آخر السطر!.
وعلمت من زخيخة أن الكتابة عن الأمكنة هو لفهم ما تركته من أثر لا يزول، وعرفت في الغربة أن البيت الذي تملكه يملكك، والبيت الذي تستأجره يستأجرك، وأنك في الحالين أسير!.
وعرفت من زخيخة أن البيت الذي لم يعد موجوداً في الجغرافيا صار أكثر حضوراً في الذاكرة، وعرفت أن البيت الذي تركته ورائي وتغربت، صار أكبر حجماً، وأوسع حضوراً، وأن الغريب يبقى غريباً عندما يغادر، وعندما يعود!.
وانتقل البروفيسور جزاع بنظرية غاستون باشلار من النظري إلى العملي حينما قال: (أن جمال زخيخة الحقيقي يكمن في أنها استطاعت أن تنتقل من الجغرافيا إلى المعنى، وهذا الانتقال هو ما يمنح المكان عمراً أطول من عمر الحجر والطين).
وحوَّل البروفيسور جزاع نظرية إدغار موران إلى واقع حينما مزج المكان والحدث والإحساس العام في زخيخة لإعادة قراءة المكان بفهم الشبكات المتداخلة للانسان والمجتمع، حيث (كان الصباح يبدو أبطأ، والمساء أكثر كثافة، والليل لا يحمل تهديداً)، عوامل متداخلة، لا عالماً واحداً مختزلاً.
ومن أجل ذلك حدثنا عن جده مزبان الشوكة، وعن هيبة مضيفه وديوانه، وعن عمه عبد الغفور مزبان الذي وقف وراء افتتاح المدرسة النظامية في زخيخة وفق نظام الصف الواحد في غرفة ببيت الفِلح، وعمه يوسف مزبان الذي أعاد افتتاحها ووسعها في صفوف في مطلع الخمسينيات من القرن الماضي. حدثنا البروفيسور جزاع عن الفرات المار بزخيخة، الذي كاد يخطفه في العاشرة من العمر إلى (الداخل)، أو إلى (الرحم الأول)، أو (الكون السري) الذي يحتضن ويهدد في آن واحد فيرسم أقوى صور الازدواج، ولولا (فرحان) من بين اخوته (عفتان وتركي)، وبني عمه، لغاب في القاع، لكنه نجا، فاكتفى من غرق المياه بالغرق في جواثيم النوم سنوات طويلة. حدثنا عن حماد الراعي الذي جلب له قطاة كان ينشدها منذ زمن، تآلفا، تصاحبا، تمشي حيث مشى، وتحف به حيثما وقف، قصص وذكريات جديدة تتشكل، لكن النهايات ليس سارة دائماً، فقد انقض على حلمه الجميل صقر، تاركاً له من قطاته جناحين يحكيان مرارة فقد، ونهاية ود، ثأر لقطاته بإطلاقة من بندقية تركي، أخيه المعلم في النظامية، شعر بالعدالة، أودع في التراب عطراً وجناحين يحكيان أول ألم، أول فقد.
عرفنا البطين، تلك المقبرة، أو (مكان الموت المفتوح على الحياة)، أراد الفيلسوف جزاع أن يكون كل قبر منها سطرا من مخطوطة (حجرية) للذاكرة، وكل امتداد لها هو إضافة غير مكتوبة بعد إلى النص، وفي مكان لم يُزخرف ليرضي المارين، أو ليكون مجرد مقبرة عائلية، إنه (يقبل القبور كما هي)، فالموت لا يحتاج إلى (مبالغة) بل بساطة تحكي ومضة برق، على شاشة الوجود المطلق.
البروفيسور جزاع دعانا لإعادة النظر في قراءة المكان، لا على طريقة امرؤ القيس في (قفا نبك)، وإنما على طريقته (قفا نسأل الأمكنة: ماذا فعلتِ بنا؟، من كنا قبل أن نغادرك؟)، مع أن الدموع واحدة!، وهذا معنى قوله في مكان آخر (المكان لا يحفظ خطواتنا فقط، بل يحمل دموعنا أيضاً). ربما فهمت جانباً من شخصية أستاذي البروفيسور جزاع، لكني متأكد بلا ربما، وبعد قراءتي لزخيخة، أن رفضه لكتابة (الدال) و (أ.د) قبل (مكان) اسمه في جميع مؤلفاته، نابع من رغبته بأن يكتب المكان بنفسه، لا أن يكتبه المكان، وقد فعل، والرسالة وصلت.
وطويت الصفحة الأخيرة من الكتاب، ولسان حالي يقول: ليته عاش في زخيخة أكثر من سنة!


تابعنا على
تصميم وتطوير