رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
عندما كان السوق محظوراً على الرجال ...الأسواق الشعبية ..عباءة سوداء وحلاوة شكرية


المشاهدات 1221
تاريخ الإضافة 2025/03/26 - 11:25 PM
آخر تحديث 2025/03/31 - 2:38 AM


ايام زمان كان اغلب رواد الاسواق الشعبية من النساء فقط، ونادراً ما نرى رجلا يحمل (علاگته) ويذهب الى السوق ليتسوق الخضار والفواكه وغيرها، وعادة ما يتعرض مثل هذا الرجل للانتقاد اللاذع من النساء المتبضعات بالقول : ( مو عيب عليك شعندك تتحدس بين النسوان؟! ).
كان سوق منطقنا عبارة عن محال صغيرة متراصة مع بعضها (ما تشوف بيها بس سوادات عباءات النساء) .. وكانت الناس تحب أن تتسوق من الصباح الباكر لانه مع ساعات الضحى لن يبقَ بالسوق إلا (الوشالة) .
كانت والدتي -الله يرحمها ويرحم والديكم- تستيقظ مع خيوط الفجر الاول تسجر التنور وتعد الخبز الحار وتشرع بإعداد الفطور الصباحي ، وما بين السابعة والسابعة والنصف نكون قد  انتهينا من تناول تلك الوجبة مع صوت اغنيات فيروز الصباحية ، ثم تتولى شقيقاتي الكبيرات عملية رفع مواعين الفطور وغسلها ولملمة الفراش ، وتنظيف غرف البيت من الداخل والحوش من الخارج ، بينما تكون والدتي قد حملت العلاگة الخوص وتوجهت الى السوق، وطبيعي حالي حال اي طفل (الزگ) إلا اروح وياها ، فتقول لي : 
- يمه والله اخاف عليك تضيع لان السوگ ازدحام ، لكني اصر واقول لها : 
- انت معليچ اني اچلب بالعباية.. 
وفعلا ما ان ندخل الى زحمة السوق امسك بعباءة امي احاول قدر الامكان ان لا أفلتها ، لكن في بعض المرات عندما تقف لتفاصل في السعر وشراء شيء معين ، افلت العباية واقف الى جنبها ، وما ان تتحرك، فإن اصابعي ومن دون وعي تمسك بالعباءة مرة اخرى لا إرادياً وانطلق خلفها هرولة ، وكثير من الاحيان اخطأ بالتقدير وامسك عباءة امرأة اخرى وابقى اطارد خلفها في السوق الى ان تتنبه عليّ وتقول لي : خالة اني مو امك روح دور على امك!!! (يا للصدمة) ابقى ادور وسط غابة من العباءات السود ، اتفرس بالوجوه من دون جدوى ، وبعدها انطلق بالبكاء والعويل والصياح : ( يمه ، يمه ) الى ان اسمعها تصيح وترد عليّ بالقول :
 (تعال يمه حمودي) أنا هنا ، ارجع مرة اخرى امسك بالعباية لكن هذه المرة اتشبث بها جيداً ، ولا افلتها مهما حدث.
بمرور الوقت استوعبت كيف اميز بين عباءة والدتي وبقية عباءات النسوان، إذ كانت بعض العبايات (جاردة) وفاقدة للون السواد بل انها قد تحولت الى الاسود المحمر بسبب كثرة الاستخدام ، اضف الى ان والدتي كانت تحب ارتداء الشحاطة النسائية بدل النعال (اللاستيك) في اغلب الاحيان، هل تتصورون ان بعض النسوة كن يذهبن الى السوق حافيات آنذاك بسبب ضعف الاحوال المادية؟؟!.
في السوق من الطبيعي ان استغل وجودي وحدي مع الوالدة بعيدا عن عيون اخوتي الباقين، فأبدأ بسلسلة من الطلبات ( اريد طوبة ، اريد داطلي ، اريد مسدس ، اريد موز ، اريد شمامة ، اريد مصراع)، لكنها ترد بالقول: هسه اشتري لك صمونة  وحلاوة شكرية .
لا اريدكم ان تتصورون بأن سلسلة الطلبات اعلاه كان يتم تنفيذها! ، لا ابداً ، ربما طلب او طلبين في اكثر تقدير ، إلا ان طلب الصمونة كان دائم الاستجابة، وفي كل مرة عندما أسألها (ليش) دائما تشترين لي حلاوة شكرية؟ ترد قائلة :  (والله يمه هاي الحلاوة كلش احبها وما اعرف ليش ؟)، وكانت دائما ما تشتري لنا بما تبقى من نقود معها ربع أو نصف كيلو، ثم تفتح صمونتي وتحشوها حلاوة شكرية، وتتمتم بصوت حنون : هاك يوم هاي لفتك الزمها بهاي الايد وچلب بايدك الثانية بالعباية كلش زين.
نعود الى البيت فتجلس الوالدة وسط الحوش وحولها اخوتي واخواتي،  ثم تشرع باستعراض (مسواگها علاگة ) بعد اخرى  وتصدر فرماناً مباشراً مفاده اليوم الغداء بامية فتشرع بإعدادها بمراحلها المختلفة وما ان يحين موعد اذان الظهر وربما قبله نكون قد انهينا تناول طعام الغداء وخلص نصف يومنا بالتمام والكمال حالنا حل اغلب الاسر العراقية قبل ان تتبدل الاحوال ويصير موعد الفطور الصباحي محل موعد الغداء أو ربما العشاء بسبب السهر المفرط وبرامج الهواتف الجوالة  .
قبل مدة مررت بمحل لبيع المعجنات والمخبوزات والحلويات مصطحبا ولدي الصغير وفي لحظة فارقة لاحت صورة امي -رحمها الله- امامي، عندما  همس ولدي   الذي ولد بعد وفاتها بسبع سنوات قائلا : بابا اريد من من هذه الحلاوة، انتبهت جيدا فوجدتها حلاوة شكرية!! قلت شعجب إلا من هاي الحلاوة؟ عندك أنواع واشكال من الحلويات بقلاوة وبرما وزلابية وغيرها، فرد بالقول : لا بابا هاي كلش احبها وما اعرف ليش!!! .. أنها الجينات الوراثية يا سادة.


تابعنا على
تصميم وتطوير