رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
الهجرة.. شجرة الحكمة في أرض الحياة


المشاهدات 1143
تاريخ الإضافة 2024/07/08 - 9:18 PM
آخر تحديث 2024/07/20 - 3:09 AM

احتفل الملايين من المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها وفي شتى بقاعها، بالعام الهجري الجديد «ألفٍ وأربعمائة وستة وأربعين»، والذي يوافق ذكرى هجرة النبي الكريم محمد بن عبدالله، صلى الله عليه وسلم، من مكة إلى المدينة المنورة، ولعلنا ونحن نتبادل التهنئة بقلوبٍ متفائلة بعامٍ ملؤه الخير والسكينة والطمأنينة وصلاح الأحوال، متنسمين عبير الذكرى العطرة، وخطى بطلِها حبيبنا وسيدنا وقائدنا، الهادي البشير، المرسل رحمة للعالمين، الذي علم البشرية شؤون دينهم ودنياهم، يجدر بنا أن نلتفت إلى تلك الدروس الكثيرة والتي تتفرع منها دروس وعبر تصلح بامتداد الزمان والمكان، وكأن الهجرة النبوية الشريفة، لم تكن فقط حدثًا فارقًا في مسيرة الإسلام وانتشاره، بل إنها الشجرة الوارفة الثابتة الراسخة في الأرض الطيبة، ولم تزل أفنانها متفرعة وسامقة ومغدقة بالحكمة الممتدة للأجيال المتعاقبة على الدنيا، وحتى نلقى الله بقلبٍ سليم.
ومن ثمار الحكمة التي تغدق بها دروس الهجرة، يتصدر الصبر على الشدائد بعد اليقين بنصر الله المشهد الحياتي، خصوصًا وأن صراع الخير والشر والحق والباطل، صراع قديم جديد، فما من نبي من أنبياء الله عليهم السلام، إلا وواجه صنوف الأذى من قومه، فتحملوا جميعًا وصبروا على شدائدهم لأن يقينهم بالله بأنه دائما معهم قد أفاض عليهم من وقود الصبر والاحتمال ما أهلهم وشجعهم وقوى عزيمتهم لاستكمال مسيراتهم في الدعوة إلى الله الواحد الأحد، الفرد الصمد، وقد قضى النبي الكريم محمد وأصحابه ثلاثة عشر عامًا يدعون فيها إلى دين السلام والمحبة والرحمة والعدل، وخلال هذه السنوات عاشوا وواجهوا أصناف العنت والتجبر والكِبر من المشركين، حتى كانوا الأسوة والدليل ونبراس الأمة في درس الصبر، الذي ما أن يتعلمه الإنسان فإنه يجني ثمار صبره ولو بعد حين، ولعلنا باليقين والثقة في عدل الله ورحمته، نثمن وندعم هذا الصبر وتلك العزيمة من قبل أبناء غزة والفلسطينيين الذين فقدوا مئات الشهداء وتهدمت منازلهم ومدارسهم ومجمعاتهم الطبية، ونزحوا مشردين جائعين في البرد والحر الشديدين، فكان صبرهم وعزيمتهم السلاح الأمضى في وجه عدوهم وعدو الإنسانية من الكيان المحتل الغاصب، وكانت أولى خطى النصر الذي سيأتي بإذن الله لا محالة، أن هبت وانتفضت البشرية والشعوب الحرة في أصقاع الأرض تندد بالإجرام والوحشية واللإنسانية التي يمارسها الاحتلال على مدار تاريخه الملوث بالدماء، ففهمت الأجيال في العالم كله حقيقتهم ودحضت أوهامهم وزيفهم، وفي هذه الشعوب الذين هاجموا حكوماتهم المتواطئة التي تدعم المحتل بالمال والسلاح.
ومن الصبر على الشدائد إلى حب الوطن، إلى تُعد مفارقته اضطرارًا نوعًا من المكابدة والعناء، وقد ضرب لنا نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم، مع أصحابه رضوان الله عنه الأمثلة الأروع في هذا المعنى من خلال الهجرة، فقد كان عليه الصلاة والسلام حزينًا حزنًا كبيرًا وهو يغادر مكة مضطرًا، وورد عن ابن عباس أنه قال: لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة، قال: «أما والله، لأخرج منك، وإنى لأعلم أنك أحب بلاد الله إلى وأكرمها على الله، ولولا أن أهلك أخرجوني ما خرجت»، وبعد انتقاله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة دعا الله أن يجعل حب المدينة كحب مكة قائلًا: «اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد، اللهم بارك لنا فى صاعنا وفى مدنا، وصححها لنا».
وهناك من الدروس والحكمة والتضحية في سبيل قضية الحق، والتي نلمسها في قول الله عز وجل في الذكر الحكيم «لِلفقراء المهاجرين الَذين أخرِجوا مِن ديارهِم وأموالهم يبتغون فضلًا من الله ورضوانا وينصرون اللَّه ورسولَه أولئك هم الصادقونَ»، إذًا حين يُضحي الإنسان بالغالي مما يملك، فإنه يُقدم على ذلك في سبيل قيمةٍ أسمى، وربما جميعنا قد رأى حجم التضحية التي قدمها شهداؤنا في جميع الميادين، الذين ضحوا ليس فقط بما يملكون من أمور مادية، بل ضحوا بأرواحهم التي ارتقت في سماء الشهادة دفاعًا عن الوطن، على مر العصور وحتى وقت قريب، حيث بذل أبطال مخلصون لهذه الأرض وهذا الوطن أرواحهم فداء ودفاعًا عنه في مواجهة الإرهاب الغاشم، ويروى عن صهيب بن سنان الرومي، وقد كان من السابقين إلى الإسلام، أنه خرج مهاجرا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاتبعه بعض المشركين، فنثر كنانته وقال لهم: يا معشر قريش، قد تعلمون أنى من أرماكم، والله لا تصلون إلىّ حتى أرميكم بكل سهم معى، ثم أضربكم بسيفى ما بقى منه فى يدى شيء، فإن كنتم تريدون مالى دللتكم عليه، قالوا: فدلنا على مالك ونخلى عنك، فدلهم على ماله، ولحق برسول الله صلى الله عليه وسلم الذي قال: «ربح البيع أبا يحيى»، وأنزل الله تعالى «ومن الناس من يشرى نفسه ابتغاء مرضاة الله».
ومن الهجرة تجلت معاني البطولة فيما رأينا من موقف علي بن أبي طالب رضي الله عنه ومهمته المحفوفة بالمخاطر، والصداقة والتصديق الذي علمناه من رفقة أبي بكر الصديق للنبي، والتآخي والتواد والمحبة والترحاب فيما رأيناه من موقف الأنصار وأهل المدينة الذين قال فيهم الله عز وجل: «والذين تبوءوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون»، وقال سبحانه « ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة». لتكون هجرة الرسول بحق درس الحياة القديم الأزلي الممتد نبراسًا منيًرا لكل إنسان له روح وقلب وعقل في هذه الحياة، ولا يفوتنا أننا جميعنا مهاجرون في هذه الدنيا.


تابعنا على
تصميم وتطوير