رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
الثنائية في الفلسفة المشرقية الحديثة (حوار في القصة والرافد والثمر )


المشاهدات 1322
تاريخ الإضافة 2024/05/19 - 8:53 PM
آخر تحديث 2024/06/23 - 3:48 AM

ياخذ الشرق مكانه في عالم الأدب السياسي الاجتماعي المقارن عبر
ثنائية المعنى المتناقض لتجسد غنى اللغة وقدرتها في التعبير عن معان متعددة ومعقدة من خلال الكلمة أو العبارة نفسها ، مما يساهم في ثراء التواصل اللغوي البشري. و تجسد تلك الثنائيات كينونات بلاغة الامة في تراكيب اللغة وسلوكياتها لاختبار حاضرها ومستقبلها دون اغفال ماضيها. اذ تتطور الكلمات وتتغير معانيها بمرور الازمنة تحت تأثير الثقافة والمجتمع.
ويجري استخدام الكلمة لتحديد معناها المتناقص لتوليد تاثيرات بلاغية لاستخلاص رمزيات في الحكمة وبشكل تتفوق في دقتها ومعانيها ،لتجسد غايات اجتماعية وسياسية وانسانية هي موضع قياس حركة التاريخ . وكثيراً ما تختبئ حركة الامة تحت ظلال مفرداتها ومعانيها وهي تمتد الى الماضي لاستحضار المستقبل.
2- يُعد المفكر الانساني العراقي حسين العادلي في مقدمة بناة المدرسة المشرقية الحديثة في استخدام ثنائية المعنى المتناقض مجازياً للكشف عن تناقض مفاصل الدولة -الامة وبقوة بلاغية تعبيرية تلامس مرتسم التاثير لبيان ثقافة المجتمع بين الانفتاح لحركة التاريخ او انغلاقها .
اذ يبتدأ العادلي في موضوع ( القِصَّة ) ليظهر اطروحته اللغوية وتضادها حتى نحصل على التركيب بالقول:
• (المَرءُ) قِصَّة، (النَّكِرة) مَن لا قِصَّةَ لَه، (الإِمَّعَة) مَن يَبيع قِصَّته بقِصَّة غَيره.
• خَير مَعَلِّمٍ (الزَّمَن)، وخَير قاصٍّ (التَّاريخ)، إن وُجِدَ (الفَهيم).
• غَالِباً ما (يُمنَع) الحَقّ من تَصحيح القِصَص الكَاذِبة، وغَالِباً ما (تُلجَم) الحَقيقة إن أرادَت فَضحَ القِصَص المُحَبَّبة!!
• كي تصبَح (بَطَل) قِصَّة، تحتَاج الرؤيّة والإرادَة والتَّضحية، وإلّا فاقنَع بدَورٍ (ثانَويّ).
• (مَن) لا يستَحكِم بِمحَطات عُمره، لا تَهمّه عَاقبة قِصَّته.
• (الأيديولوجية) قِصَّة الأذكِياء للدُّهَماء، والهَدف الهَيمَنَة.
• السِّياسة (سَرديّة) حُكم، والحُكم (قِصَّة) دَولَة، والدَْولَة (حِكَاية) شَعب.
• كَمَا الدُّمَى تَصنَع قِصَص (الأطفَال)، فالسُّلطَة تَصنَع قِصَص (السَّاسة). تَشَابه اللّهو واختَلَف المِصدَاق!!
يالروعة الوصف ودقة التوصيف انها ( القصة في توقيعات العادلي …. ) !! وغالباً ما اجد في نفسي ان اجمل السرديات التي اكتبها شخصيا كقصة هي تلك التي تغمرني احداثها ومفاجأتها وانا في مسار وقائعها وحرارة احداثها وليس ان اكون بطلها بالضرورة …! اذ يمتزج فيها الواقع الحقيقي بالواقع الافتراضي للمتلقي ، لتتجسد عندها عبارة العادلي النقية : (( المرء قصة حقا)) .
كما ان واحدة من اجمل العبارات التي قرأتها بخط المفكر العادلي هي القصص التي تسرد وقائعها من عالم افتراضي :
وتحديدا ( الاديولوجيات )فهي قصص الأذكياء حقاً في عوالم شديدة الافتراض يتلقفها الدهماء والهدف هو الهيمنة ، منوهين في الوقت نفسه ان الهيمنة تتعاظم مع اشتداد الفنتازيا الاديولوجية
في ذلك التحليل الدايلكتيكي لمفردات الحياة الانسانية التي قل نظيرها.
3- ويذهب المفكر حسين العادلي في تحليل مفردة ( الرَّافِد) ليبلغ في ثنائياته عبرات الحياة ومساراتها وتلمس منظور غاياتها بالقول :
• أبشَع رَوافِد الغَدر (الثِّقة)!! ويُأتَى الواثِق مِن مَأمَنِه!!
• لِكُلِّ (صِفَةٍ) رَافِداً، ورَافِد النَّزَاهَة (الشَّرف).
• الأسئِلَةُ (رَوافِد) العَقل، والعَقل (المُستَكفِ) آسِن.
• (العَادةُ) رَافِد كالتَّربيَة، ومَن اعتَادَ على شيءٍ دَرَجَ عَليه.
• رَافِد (المَهانَة) الطَّمع، ورَافِد (الأَنَفَة) القَنَاعَة.
• الصِدق رَافِد (الإخاء)، مَن اعتَمدَه جَنَى (الوَفَاء).
• رَوافِد (القِيادَة) الحِكمة والمَشورة والتَّواضع، وإلّا طَغَت.
• التَّذَلُّل رَافِد (الطُّغيَان)، وحيثما تَبدأ (الكَرَامَة) ينتَه الخُنُوع.
وبهذا تجسد فكرة الرافد ان ثمة معنيين يجسدان الرافد بين (القوة) و (التفاهة) .
اذ يتجسد معنى الرافد ، بتيار يغذي مجرى مائي أكبر أو بحيرة عظيمة وهكذا هي الحياة عندما يشرع في بناء الامم العظيمة ، فليس كل ماهو ضئيل تافه ، فالجبال العظيمة تصنعها ذرات الرمال الصغيرة ، ومن منظور آخر ، وهو الاخطر حياتياً حقاً، حيث ياتي هنا الرافد بمعنى (التفاهة ) كأن تدفع دولة ما الجزية للفاتح المحتل.
وهنا تتجسد روافد العبودية والظلم والجور. فمثلما( رافد التضحية )هو الموت من اجل ان تحيا الاوطان ، فان (رافد الهزيمة )هو الخذلان والاستسلام وموت الاوطان .
4- وينهي العادلي فلسفته في منطق اللغة التي ذهبت بعيدا بين مفردتي (القصة والرافد ) ليتناول في هذه المرة مفردة ( الثمر) ليضعها قوة ناطقة على ادراج سلم ثنائياته البلاغية بالقول :
• مَن يطلب (الثِّمار) السَّهلَة متَّكِئ أو مُستَغِلّ أو صَيَّاد فُرص.
• ثَمَرَة (العَقل) السَّدَاد، ثَمَرَة (البَصِيرَة) الإتزَان، وثَمَرَة (الصَّبر) التَجَلُّد.
• ثَمَرَة الإيمان التَّقوى، وثَمَرَة التَّقوى الإسِّتقَامة، فامتَحِن (الإِدِّعَاء) بالسُّلُوك.
• كما تستَدِل على (الشَّجَر) بالثَّمَر، إستَدِل على (النَّفس) بالأثَر.
• كمَا لِكُل (مَوسِمٍ) ثِمَارَه، فلِكُلِ (مَرحَلة) أفكَارها.
• القَائِد الذي لا (يُمَيّز) الرَدِيء مِن الحَسن، كالبُستانيّ الذي لا (يعرف) الثِّمَار الضَّارة مِن النْافِعة.
• (القَائِد) الذي لا يزرَع الثّقة، لا يقطف ثَمَرَة الإخلاص.
• (السِّياسَة) غَرس و(الثِّمَار) الحُكم، فاصلِحوا الغَرس يَنَعَ الثَّمَر.
ختاماً ، فالثمار هي مخرجات قوة منتجة تعطي ولاتاخذ لنفسها …وهكذا هي الحياة المنتجة اذ يعتاش بعضنا على البعض الاخر في توازن مثالي بين الاخذ والعطاء عبر حاضنة انسانية وايكولوجية كفوءة .
فمن يعتاش على عطاء الاخرين دون ان يخرج ثماره فهو المتصيد و المتكيء حقا… وهكذا تتنازع الاتكالية بين بني البشر والمجتمعات لتجسد تلقائياً مجتمع الغابة والعيش في مرحلة الصيد كما كان عليه تاريخ الانسان الاول ،وهي مرحلة يسهل حرق زروعها ونهب ثرواتها وغزوها من انماط طامعة مفترسه اخرى تبحث عن صيد سهل وتأسس لشريعة الغاب على الدوام.
 


تابعنا على
تصميم وتطوير