رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
القضاء الدولي في امتحان الحقيقة


المشاهدات 1221
تاريخ الإضافة 2024/02/27 - 8:16 PM
آخر تحديث 2024/04/14 - 8:26 AM

عندما قرّر المجتمع الدولي تركيز منظومة قانونية جديدة في أعقاب الحرب العالمية الثانية المدمّرة ، كانت النية تتّجه من جهة إلى التوقّي من نزاعات أخرى قد تكون وبالا على البشرية ، ومن ناحية ثانية وضع الأسس المشتركة لبناء مجتمع دولي متضامن تخقّق فيه الانسانية مستويات عالية من التنمية ، تمكّن البشر من القضاء على الفقر والجوع والتخلّف الاقتصادي وتمنع الحروب وتمكّن الإنسان أينما كان موقعه الجغرافي ومهما كان نزوعه الفكري وكيفما كان لونه وعرقه وجنسه من الحقّ في الحياة الآمنة والكريمة في مجتمع دولي تتساوى فيه حقوق البشر والجماعات ، ومن أجل هذه الأهداف السامية وُضِعَتْ الآليات الضرورية لذلك ، كان هذا المأمول ولكن ، تبيّن مع مرور الزمن والسنوات أنّ هذا الحلم البشري في حياة آمنة للجميع صعب التحقيق، وأنّ الآليات المخصّصة لتحقيق هذا المأمول البشري قد تحيد عن هذه الأهداف السامية تحت وقع موازين القوى الدولية المختلّة ، وأهمّ هذه الاختلالات كانت تصدر عن مجلس الأمن الدولي الذي كُلّفَ بمقتضى ميثاق الأمم المتحدة ب”حفظ السلم والأمن الدولي”، غير أنّ حقّ الفيتو الذي فرضته موازين القوى بعد الحرب كان البوابة هو الثغرة التي جاءت منها كلّ الإخلالات والتجاوزات ، وعلى سبيل الذكر فشل مجلس الأمن الدولي في فرض تنفيذ أكثر من 130 قرارا أمميا من مختلف الهيئات الأممية حول الوضع في فلسطين المحتلّة ، وكلّها قرارات لم تجد أيّ تجاوب من دولة الاحتلال الإسرائيلي المدعومة بقوى عظمى والمسنودة بحقّ الفيتو الجائر الذي ترفعه في كلّ مرّه هذه القوى العظمى المؤمَّنة على الأمن والسلم العالميين .
آخر حلقات هذه المنظومة القانونية الدولية هي الآلية القضائية كمحكمة العدل الدولية ومحكمة الجنايات الدولية والمحاكم الأخرى المختصّة بنزاعات محدّدة ، إضافة إلى الهياكل المكلّفة بمراقبة المسائل المتعلّقة بحقوق الإنسان والشعوب وأساسا مجلس الأمم المتحدة لحقوق الإنسان ، ورغم سياسة المكيالين التي طبعت المسارات القضائية المختلفة تنازعية كانت أم استشارية ، فإنّ طبيعة هذه المسارات القضائية تجد نفسها أمام حدّ فاصل لا يمكن لها تجاوزه وهو اضطرارها إلى الاستناد إلى القانون الدولي لجهة أنّها تنطق بالقانون فقط لاغير رغم أنّ تأويل القواعد القانونية يفتح أمامها أبوابا قد تُفرغ هذه القاعدة القانونية من محتواها .
وفي قضية النزاع الحالي بخصوص احتلال الدولة العبرية لأرض فلسطين التاريخية ، بدا أنّ تعدّد المسارات القضائية وتنوّعه قد يؤتي أُكله ويساهم بالتالي في مزيد الضغط على دولة الإحتلال الإسرائيلي وخصوصا على الدول التي تقدّم لها الدعم المادّي والدبلوماسي.
وسواء تعلّق الأمر بالقضايا المرفوعة أمام محكمة الجنايات الدولية التي تختصّ بالنظر في جرائم الإعتداء والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب وجريمة الابادة الجماعية ، أو تلك المرفوعة أمام محكمة العدل الدولية المختصّة في النزاعات بين الدول والتي أصدرت يوم 26 جانفي 2024 مجموعة من التدابير الاحترازية والوقائية لمنع حدوث إبادة جماعية ، أو تعلّق الأمر بالرأي الاستشاري الذي طلبته الجمعية العامة للأمم المتّحدة حول الوضع القانوني في فلسطين المحتلة، فإنّ هذه المسارات ستكون لها تداعيات على ممارسات الدول ، إن لم تكن على دولة الإحتلال فستكون على باقي الدول الأعضاء بالأمم المتّحدة.
العرض الشفوي الذي قدّمه أستاذ القانون الدولي سليم اللّغماني باسم تونس أمام محكمة العدل الدولية، بيّن بوضوح توفرّ العناصر المادية لجريمة الإبادة التي تمارسها إسرائيل المارقة في حقّ الفلسطينيين ، هو شدّد أيضا على توفّر ركن نيّة اقتراف الجريمة وذلك من خلال وجود سياسة ممنهجة في النصوص والتصريحات والأفعال تهدف إلى القضاء على حقوق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره وعلى الوجود الفلسطيني أصلا ، 
أكّد اللّغماني تداعيات ذلك على الدولة العبرية وعلى الدول المساندة لها 
السياسات والأفعال واضحة والقانون الدولي كذلك واضح والتداعيات القانونية هي أكثر وضوحا إن كان ذلك على دولة الإحتلال أو على الدول أخرى ، كلّ شيء واضحٌ والقضاء الدولي في مفترق الطرق وفي إمتحان الحقيقة والمصداقية.
 


تابعنا على
تصميم وتطوير