رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
حرية التعبير ضحية أيضا


المشاهدات 1098
تاريخ الإضافة 2023/11/28 - 8:57 PM
آخر تحديث 2024/02/20 - 12:14 AM

مع حرب الإبادة في غزة تزداد كثافة النقاش الإعلامي بشأن الحقيقة وما بعدها وحرية التعبير بوصفها الضحية الأحدث في ما يجري بعالم ارتفع فيه منسوب الخلافات السامة.
فلا يمكن لحرية التعبير أن تزدهر في وسائل تواصل اجتماعي أصبحت آلة لإنتاج الغضب، وليست منتدى لتبادل الأفكار والوصول إلى الحقيقة، ذلك ما كشفته لنا الحكومات أيضا بعد أن عرّف المواطن الصحافي عن نفسه بطريقة ما يكره، بينما تعبّر الحكومات اليوم عن نفسها بما تكذب. 
كثر الحديث عن أهمية حرية التعبير، ولأسباب مفهومة، فالتمتع بحرية التعبير دون خوف من العقاب أو الرقابة يتم اختباره في أوقات الأزمات. لكن في عالم بات المرء فيه لصيقا بمنصته أو ما صار يسمّى بـ»مواقع الجحيم»، هل يمكن لحرية التعبير أن تقوم بنفس العمل الذي اعتدنا عليه في المقاهي والملتقيات؟ ماذا لو أصبح المدافعون يتعاملون مع حرية التعبير كغاية في حد ذاتها، ويفوّتون فرصة ما يجعلها قيمة إنسانية وسياسية وإعلامية كبيرة؟ بيد أن خطابنا لا يجري اليوم في المقاهي كما كان سابقا، ولو كان الأمر كذلك، فقد يساعدنا ذلك على رؤية الجانب الإنساني في الآخرين وفهم وجهات نظرهم بشكل أفضل، من الجدل العاصف على المنصات.
وفي غياب البنية الأساسية المناسبة، فإن سوق الأفكار الذي يتمّ التّباهي به كثيرا لا يساعدنا في الوصول إلى الحقيقة والأرضية المشتركة، بل أصبح بدلا من ذلك مكبّر صوت لضجيج فارغ. ووسط هذا النشاز، يمكن استغلال مبدأ حرية التعبير في ترويج الأكاذيب بشكل مخز كما يحدث اليوم في تبرير قتل المدنيين في غزة واقتحام المستشفيات.
يمكن أن نتخذ من إيلون ماسك مثالا عالميا وهو لا يتوقف عن الحديث وتصنيف حرية التعبير عبر السماح أو كتم الأصوات على منصته الأثيرة لدى الملايين، بما يتعلق بالخلافات التاريخية والدينية والحرب الثقافية المستعرة، الأمر الذي دفع البيت الأبيض للرد عليه بطريقة تعبّر عن الاستياء والتحذير معا، وهو أمر يكشف بوضوح أن الخلاف على مفهوم حرية التعبير قائم حتى في الدولة التي تزعم بأنها الفضاء الأرحب لممارسة حرية التعبير!
«الهدف الأساسي من حرية التعبير هو أنه، حتى الأشخاص الذين تكرههم، يقولون أشياء تكرهها» هذا ما قاله ماسك مؤخرا «لأنه إذا كان الأشخاص الذين تكرههم يمكنهم أن يقولوا أشياء تكرهها، فهذا يعني أنهم لا يستطيعون منعك من قول الأشياء التي تريد أن تقولها، وهو أمر مهم للغاية».
لكن هذا الفهم المحدود والذي لا يتفق حوله خبراء وسائل الإعلام مع ماسك، يكمن في أن مجرد القدرة على قول الأشياء التي تريد قولها مع الإفلات من العقاب ليس، في الواقع، الهدف الأساسي من حرية التعبير.
الهدف الأساسي من حرية التعبير وفق الكاتبة جيميما كيلي المهتمة بالحروب الثقافية هو السماح لنا نحن البشر، المخلوقات المحدودة التي لن تكون قادرة تماما على فهم الحقيقة أو الوصول إليها بشكل كامل، بالتحرك في اتجاهها على الأقل. ومن خلال إعطاء صوت لمن لا صوت لهم، وبالسماح ببث وجهات النظر غير المتداولة، فقد نتمكن بطريقة أو بأخرى من شق الطريق صوب نوع من التفاهم المشترك.
ولكن علينا إن كنا نرغب في التوصل إلى هذا الفهم المشترك، أن نجعل من حرية التعبير فعّالة، وإلا فإننا نخاطر بعدم التحرك نحو الحقيقة، بل الابتعاد عنها أكثر من أيّ وقت مضى.
فحرية التعبير ليست نوعا من البنية السلبية التي تتدفق منها الحقيقة تلقائيا، بل هي نوع من الطاقة. ومثل أيّ شكل من أشكال الطاقة، يجب استغلالها بشكل صحيح حتى تكون مفيدة وإلا أصبحت حارقة وقاتلة كما في الطاقة الكهربائية.
نقلا عن « صحيفة العرب»


تابعنا على
تصميم وتطوير