رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
الزلزال المحير


المشاهدات 1258
تاريخ الإضافة 2023/09/16 - 9:08 PM
آخر تحديث 2024/07/21 - 1:44 PM

تضاربت المعطيات الجيولوجية والديموغرافية والتقنية والعلمية المتعلقة بالزلزال العنيف الذي ضرب منطقة شاسعة من التراب المغربي قبل أيام من اليوم .و رغم الاهتمام الكبير الذي حظيت به هذه الكارثة من طرف العديد من الأوساط العلمية و التقنية المختصة، فإن الحاجة لا تزال ملحة إلى تسليط ما يكفي من الأضواء على جوانب عدة من هذا الزلزال الذي امتدت ارتداداته إلى طبيعة الزلازل ومداها و تداعياتها .
أول القضايا العلمية الشائكة التي حيرت العلماء قبل المواطنين تتمثل في المساحة الجغرافية للهزة الأرضية العنيفة، حيث امتدت هذه المساحة على امتداد ما يقارب 500 كيلومتر شمال بؤرة الزلزال و في جنوبها ، وهكذا سنظل في حاجة إلى جهد علمي كبير جدا لتفسير وقوع هزة  أرضية، لم تقتصر على بؤرتها ولا على محيط هذه البؤرة ، بل امتدت على طول أكثر من خمسمائة كيلومتر ، وانتشرت قوتها التدميرية المباشرة والقوية على طول أكثر من 150 كيلومتر، حيث ضربت الهزة في منطقة محاذية لمدينة مراكش ، وتسببت في خسائر فادحة في منطقة تارودانت في اتجاه  الجنوب.
ويقول الخبراء إن النقطة التي مثلت بؤرة الزلزال لا تنتمي إلى المناطق المهددة بالزلزال و الواقعة عادة في منطقة التقاء الصفائح الجيولوجية ، حيث عادة ما يقع الزلزال في منطقة تصادم الصفائح التكتونية الأفريقية والأورو آسيوية، وأقرب منطقة لموقع تلاقي أو احتكاك أو اصطدام هذه الصفائح توجد في عرض البحر الأبيض المتوسط ، وهذا ما كان قد فسر الزلزال الذي تعرضت له منطقة الحسيمة المغربية المطلة على هذا البحر سنة 2004 ، وبالتالي فإن حدوث زلزال بكل هذه القوة التدميرية في نقطة تبعد على منطقة التماس بين الصفائح  بـ 550 كيلومتر تسبب في ارتباك كبير لدى العلماء المتخصصين في تفسيرهم لما حدث .
ثم إن الزلزال حدث في منطقة صخرية تنتشر فيها سلسلة جبال الأطلس الشاهقة العلو، وإن الأمر لا يتعلق بمنطقة سهلية ذات هشاشة جيولوجية، ومن المفروض أن الطبيعة الجيولوجية الصلبة للمنطقة قادرة على استيعاب الهزات الأرضية، أو على الأقل، التخفيف من الآثار المترتبة عنها، لكن هذا العامل لم يكن حاسما فيما حدث بحيث تجاوزت القوة التدميرية للزلزال القدرة الفائقة للمنطقة الصخرية على الاستيعاب والتحمل ، وكانت التكلفة غالية جدا في الأرواح و الأملاك والمنشآت .
والأكثر غرابة في الأمر، هذا التباين في الكشف عن المعطيات التقنية المتعلقة بالزلزال، فقد سارعت هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية إلى التأكيد على أن عمق الزلزال وصل إلى 8,5 كيلومتر، في حين صرح مسؤولو مصلحة الرصد الزلزالي في المغرب بأن عمق الهزة وصل إلى ثمانية كيلومتر.. والأرجح أن الزلزال ضرب على سطح الأرض، بما يفسر حجم الخسائر الفادحة التي خلّفها وراءه بأكثر من ثلاثة آلاف قتيل و جرح أكثر من ستة آلاف شخص ودمار شامل في قرى بكاملها وخراب كبير في البنية التحتية ، وبالتالي فإن الهزة حدثت قريبا جدا من سطح الأرض. لكن الأهم في هذا الشأن، هذا الاختلاف الكبير جدا في تقدير المعطيات الخاصة بالزلزال بين أوساط علمية متخصصة في الزلازل كان يعول عليها في تقديم البيانات الدقيقة التي تحظى بالإجماع . 
طبعا رغم حجم الخسائر الفادحة التي خلفها الزلزال وراءه ، فإنها لا تعكس القوة التدميرية الحقيقية للهزة الأرضية، وعلى هذا المستوى تباينت آراء الخبراء والمختصين بين من يرى القوة التدميرية للزلزال وصلت مداها، وخلفت الخسائر التي كان من المفروض أن تتسبب فيها، وبين من يعتبر أن هناك عوامل ساهمت إلى حد بعيد في التخفيف من التكلفة والخسائر، أهمها يكمن في تشتت هذه القوة التدميرية على امتداد خمسمائة كيلومتر مما قلل من حدتها، ولو اقتصرت هذه القوة التدميرية على مساحة صغيرة كانت ستتسبب في دمار شمال لتلك المساحة، لا قدر الله.
لكن من أغرب مخلفات الزلزال التي أثارت اهتمام المتابعين يتمثل هذه المرة في انفجار سواقٍ وعيون مياه عذبة في المنطقة الجنوبية الشرقية من بؤرة الزلزال، حيث مقدمة المناطق الجافة والصحراوية، وتفسير ذلك، حسب آراء خبراء متخصصين، يكمن في أن عمق الأرض تعرض بسبب الزلزال إلى رجة عنيفة جدا أحدثت فجوات كبيرة سمحت للمياه بالتسرب، وبالتالي بالانفجار فوق سطح الأرض، بينما يلخص آخرون الظاهرة في قدرة غيبية على تفجير المياه من كل فج عميق، وإن كان في منطقة جافة . 
هكذا، يبقى إذن الزلزال المدمر الذي ضرب عمق المغرب من أغرب الكوارث الإنسانية التي عرفها العالم طيلة أكثر من قرن من الزمان . 
 


تابعنا على
تصميم وتطوير