رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
متى تتخلى الدولة التونسية عن خشيتها من الإعلام ؟


المشاهدات 1243
تاريخ الإضافة 2023/05/24 - 8:09 PM
آخر تحديث 2024/06/19 - 1:41 PM

تعيش مؤسسة “لابراس” (الصحافة) في تونس وضعا صعبا وصل إلى حد إعلان الإضراب ووقف صدور النسختين العربية والفرنسية من الصحيفة الأكثر شهرة في البلاد.
وليست “لابراس” وحدها التي تعيش على وقع الأزمة، فهناك مؤسسات أخرى محسوبة على الدولة، وهي ملكها بحكم القانون، لكنها لا تدري ما تفعل بها، هي المؤسسات الإعلامية المصادرة، التي كانت على ملك عائلة الرئيس الراحل زين العابدين بن علي مثل دار “الصباح” العريقة، وإذاعة “شمس أف.أم”.
لحد الآن، تنظر الدولة إلى هذه المؤسسات من زاوية الإنفاق، وحجم الميزانية التي تضخّها سنويا لإعاشة الصحافيين والتقنيين والعمال بهذه المؤسسات. ولذلك فقد فكرت في بيع بعض هذه المؤسسات لأول مشتر دون أي شروط، المهم أن يزيح عنها الأعباء. لا يعنيها تاريخ هذه المؤسسات ورمزيتها وتأثيرها في عالم يتحكم به الإعلام.
وحين نتحدث عن الدولة، فنعني السلطة التي أمسكت بالحكم بعد 2011، قديمها وحديثها. ورغم اختلاف الخطاب وتناقض المواقف والمواقع، فهناك اشتراك في النظر إلى الإعلام بريبة وشك كبيرين وكأنه خصم وعدو مفترض، وهو نظر يستبطن أن السلطة تواجه “إعلام عار” وجب صده وتطويقه.
فكيف نطلب من الحكومات أن تسير عكس التيار وتفكر في دعم الإعلام العمومي وتطويره وتحويله إلى إعلام في صفها؟
سيبدو التقدم نحو حل مشكلة “لابراس” والمؤسسات المصادرة وكأنه دعم للإعلام ضد الحكومة نفسها، فهل يعقل أن تمد حكومة عاقلة في أنفاس من يهدد عرشها ويزعجها بالأسئلة وطلب النفاذ إلى المعلومة؟
كيف نطلب من الحكومات أن تسير عكس التيار وتفكر في دعم الإعلام العمومي وتطويره وتحويله إلى إعلام في صفها؟
ويمكن هنا أن نفهم سر هذا الخوف، فالإعلام ما بعد 2011 أراد أن يتحول إلى إعلام فعلي، يعتمد على نفسه وهياكله في التأسيس لإعلام حر ومستقل عن الجميع، عن الحكومة والأحزاب، ويفكر في تقديم إعلام للعموم، للناس الذين ظلوا ينظرون إليه بريبة بسبب ميراث ما قبل 2011، ويلجأون إلى مؤسسات إعلامية خارجية لمعرفة ما يجري في تونس ومقاربته بالتحليل.
كيف يمكن تغيير العقلية التي تثق في الإعلام الخارجي حتى لو كانت أجندته ضد البلاد؟
الحل ليس في الهجوم على المؤسسات الخارجية وشيطنتها، ولكن في بناء إعلام محلي ذي مصداقية، وهذا شرطه الرئيسي هو الاستقلالية، أي العمل على تقديم الخبر والتحليل وفق مقتضيات المهنة، وليس استجابة لرغبة فلان أو نكاية في خصومه. فهل ستساعد الحكومة على هذا؟
الحقيقة أن الإعلام التونسي قطع خطوات لا بأس بها في هذا المسار، لكن هذا لا يعني أبدا أن الأمور صارت على أحسن ما يرام. ومن المفروض أن الدولة تشجع إعلامها على أن يصبح قادرا على المنافسة، ويجذب المشاهد والسامع والقارئ المحلي، ويصبح مصدر خبر للمتابع الخارجي ومرجعا لفهم ما يجري في تونس بدلا من أن يأخذ العالم صورة عن البلاد مصنوعة في إعلام عربي مناوئ وأجنبي ينظر إليها باستعلاء.
لا بد أن تتجاوز الحكومة التقييم المالي الأولي للإعلام، وتتجاوز عقدة الخوف من سلاطة ألسنة الإعلاميين وقدرتهم على تحصيل معلومات لا تريد هي أن تفرج عنها. الإعلاميون ليسوا خصوما ولا ورقة بيد أحد غير مهنتهم. قد يبدو هذا التفريق صعب الاستيعاب الآن، لكن مع الوقت ستتضح الصورة.
يمكن لحكومة الرئيس قيس سعيد أن يكون لها السبق في دعم إعلام عمومي حقيقي هادف إلى خدمة البلاد على المدى المتوسط والبعيد
يمكن لحكومة الرئيس قيس سعيد أن يكون لها السبق في دعم إعلام عمومي حقيقي هادف إلى خدمة البلاد على المدى المتوسط والبعيد، يكون سلطة رابعة بالفم الملآن، ويجعل المسؤولين يهابونه ويخافون رقابته ما يساعد الدولة على مواجهة الفساد والمحسوبية والبيروقراطية وكل الظواهر التي تنخرها من الداخل، ولم تطلها الثورة من قريب أو بعيد.
لو تخلت الحكومة عن الريبة لوجدت أن إعلاما حرا ومهنيا تسيره ضوابط داخلية أفضل لها من إعلام تابع يكتفي بالتصفيق، وهي تعرف أن هذا النوع من الإعلام في طريقه إلى الانقراض بعد صعود وسائل التواصل الاجتماعي كإعلام مجاني وسهل ودون مقاييس ولا محاذير، وقدرته الكبيرة على الوصول إلى أغلب الناس دون أسر تحرير ومدققين وفنيي إخراج وطباعة ودون ورق مدعوم وقروض من البنوك. إعلام “ببلاش” يزعج الحكومات ولا تسيطر عليه مهما حاولت. لكن يمكنها أن تواجهه بدعم إعلام مسؤول وذي مصداقية يحتكم إلى أخلاقيات المهنة.
وبدلا أن يهرول بعض الوزراء إلى القضاء لإسكات النقد الذي يواجههم من الصحافيين يمكن أن تتجه الحكومة إلى الهياكل التعديلية للإعلام (الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي البصري أو مجلس الصحافة) لتصويب ما تراه أخطاء أو تجاوزات من هذا الصحافي أو ذاك.
وهذا التعاون سيكون مفيدا أكثر من التلويح بالقضاء. فمن ناحية تصبح لهذه الهياكل سلطة معنوية حقيقية على منظوريها وبدعم حكومي، ومن ناحية ثانية تكون الحكومة قد نجحت في نزع فتيل انعدام الثقة بين الطرفين، وتركت للهياكل مهمة التصويب من الداخل والدفع نحو خطاب إعلامي مهني لا يستهدف الأشخاص بالترذيل والاشتغال على تصفية الحسابات، ولكن يعمل على البناء بكشف الأخطاء وعرض البدائل عبر استضافة الخبراء والمختصين، وهو أمر يخدم الحكومة ومن ورائها السلطة السياسية.
إن المبالغات التي تحدث أحيانا في تعاطي الصحافيين مع بعض الملفات ليست ناجمة عن سوء نية ولا استهداف موجه أو تصفية حساب، بل دفاعا عن النفس تجاه هجمة التخوين والاستنقاص التي تواجههم لدى مجتمع يريد من الإعلام أن يكون على هواه وفي صفه. مجتمع لا يرضيه العجب في رجب.
ومثلما أن على الحكومة أن تغير أسلوبها، فإن على الصحافيين أن يوازنوا المشهد من الداخل، فالإعلام ليس تيارا ثوريا ولا حزبا سياسيا لديه أجنداته وحساباته ما يجعله في نزاع لا يتوقف مع السلطة. الإعلام سلطة بناء هادئة تحتكم إلى نفسها ولا تتبع أجندة أحد.
 


تابعنا على
تصميم وتطوير