رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
ثقافات متعددة وهويات ملتبسة


المشاهدات 1281
تاريخ الإضافة 2023/03/15 - 7:55 PM
آخر تحديث 2024/06/23 - 7:59 PM

أحمد رجب شلتوت
     يشير الجاحظ في مقدمة موسوعته «الحيوان» إلى ترجمان الفلسفة اليونانية بأنه «متى وجدناه قد تكلم بلسانين، علمنا أنه أدخل الضيم عليهما، لأن كل واحدة من اللغتين تجذب الأخرى، وتأخذ منها، وتعترض عليها». كذلك تحدث في «البيان والتبيين» عن رجل يدعى «موسى بن سيار» كان في مجلسه «تقعد العرب عن يمينه، والفرس عن يساره، فيقرأ الآية من كتاب الله ويفسرها للعرب بالعربية، ثم يحول وجهه إلى الفرس فيفسرها لهم بالفارسية، فلا يُدرى بأي لسان هو أبين»، وقد اعدّه الجاحظ من أعاجيب الدنيا، لأنه كان يتقن اللغتين: العربية والفارسية، ولعل الهنود الحمر كانوا يقصدون ذات المعنى حينما وصفوا الرجل الأبيض بالخبيث لأنه «شاحب الوجه مفلوق اللسان»، بينما الهندي لا يكذب لأنه صاحب اللسان الواحد.      
اللغةوطنًا
   فاللغة باعتبارها وسيلة للتفكير، وأداة للتعبير، يكون استخدامها تلقائيا في حالة اللغة الأم، ومفتعلا إذا تحدث باللغة الثانية، التي يراها عبد الفتاح كيليطو عقابا، يشبه عقاب أبو البشر آدم حينما طُرد من الجنة، فعقاب الطرد من الفردوس اقترن بفقدان اللغة الأم، وبالتالي ازدواج اللغة. وهذا ما قاله المعري في رسالة الغفران من أن آدم كان يتحدث العربية في الجنة، فلما هبط إلى الأرض نسيها وأخذ يتكلم السريانية، وهكذا ربط تغيير المكان بفقدان لغة واكتساب أخرى، فبقدر تعدد اللغات تتعدد تمثلات الوجود.  
     ويذهب سيمانس إلى أن اللغة منتجة للهوية، لأنها تجرد عالم التجربة إلى كلمات، فالهوية مسألة لغوية بالأساس، والمنظومة اللغوية بمثابة البيت للإنسان، فيها ينظم أموره ويحتفظ برموزه وأسراره، وبها يدرك العالم، لذلك وصف البير كامي اللغة الفرنسية بأنها وطنه، وهو لم يكن يعاني ازدواج اللغة إذ أن نشأته في الجزائر لم تكسبه لغة أخرى، على العكس من جوزيف كونراد، الذي ورث اللغة البولندية ثم تعلم الفرنسية والإنجليزية، لكنه أبدع بالإنجليزية وحدها، ولم يكن اختياره لها متعمدا، بحسب قوله: «لدي شعور غريب وبالغ القوة أن الإنجليزية كانت جزءًا موروثًا من ذاتي. كما أنني لم أقرر تبنيها. لقد كان هناك فعلًا حدثُ تبني، ولكن عبقرية اللغة هي ما تبناني، لقد أخذتْ بيدي مباشرة بعد مرحلة التمتمة الأولى وجعلتني ابنًا لها بشكل كامل، حتى كأن أمثالها وحكمتها ذات مفعول مباشر على مزاجي، وتشكيل شخصيتي».
درس السرد
    يرى همبولت أن الاختلافات القائمة بين اللغات ليست صوتية فقط بل تشمل كيفية فهم وتفسير العالم من قبل المتكلمين بكل لغة، واللغات ليست محايدة، فهي تحضر بمعيَّة حمولاتها التاريخية لكن عدم حياد الناس في ممارساتهم اللغوية يضيف لما تحمله اللغة معان أخرى.لذلك يمارس الناطقون بأكثر من لغة ما يُسمى بالخيارات المتعمدة بمعنى أنهم يقومون أثناء كلامهم باستخدام اللغة لبيان موقفهم من شيء معين. و دائما هناك لحظة لغياب لغةٍ وحضور أخرى؛ ثمة ثنائية مسكونة بالتشظي غالبا، وقد أثبتت الدراسات أن من يتحدثون عدة لغات لديهم شخصيات متعددة، فاستخدام لغة بعينها يحرك جزءا من شخصية الإنسان، وليس الشخصية بأكملها. وتعدد اللغات لا يؤدي إلى تعدد الهويات، فالهويات لا تتعدد بل تلتبس، وهذا ما يكشف عنه السرد بقوة  لا تمتلكها الدراسات اللغوية ولا النفسية، فالسرد يعطى شكلا ومعنى لحياة الإنسان، ودراسته تساعد على فهمنا لتحولات الهوية. خصوصا عبر تناوله للذاكرة وللسيرة الذاتية.
    وهنا تشير الباحثة الأمريكية «ويندي ليسير» في كتابها «عبقرية اللغة» إلى أن علامات اللغة الأم قد لا تكون صريحةً أحيانا؛ عندها يجب «أن تقتربَ أكثر، وأن تنصت للصوت الرقيق لتدرك مواطن تأثير اللغة الأم على اللغة الجديدة».  وهي  ترى أن مسألة اللغة الأم ليست لسانية أو أدبية فحسب، بل هي مسألة تمسُّ حياة الناس وشعورهم تجاهها. ولأن هذه الحياة تضمنت انتقالًا، قد يكون قسريًا في غالب الأحيان، من بلاد إلى أخرى أو من ثقافة إلى أخرى، فإن قصتها ستحكي لنا عما هو أكبر وأوسع أفقًا من القضايا التاريخية والسياسية المتزامنة معها.
لغة الروح
  يقول نيكولاس باباندريو، وهو يوناني يكتب بالإنجليزية: «أن ينشأ المرء ثنائي اللغة يعني أن ينشأ بمعية ثقافتين مختلفتين، وربما هويتين متعارضتين. لكنه يعتبر ذلك كنزا، فالإنجليزية التي اكتسبها بعد الهجرة إلى الولايات المتحدة الأمريكية، أصبحت بابا يُفتح على كل ما لم يكتشفه بعد من تضاريس اليونان التي في مخيلته، وهي بلد طفولته التي يحملها في ذاكرته.  
   وتصف الروائية الأمريكية_ الهندية، «بهارتي موكرجي» البنغالية بأنها اللغة الموعودة والموءودة معاً، فهي لغة «الجوع والفقر» كما يسميها العاملون في هيئات الإغاثة الدولية، لكنها تراها لغة المشاعر واللهفة، وتصفها بأنها أكثر لغات العالم تعبيرا وخيالا وذكاء، وتذكر «موكرجي» أنها ورثت لسانا يحمل متناقضات ومفارقات كثيرة، فقد لازمتها _حتى وهي تكتب رواياتها بالإنجليزية _ قدرة المفردات البنغالية على حمل المعاني المتضادة. وعن تأثير الازدواج اللغوي تقول موكرجي: «تعيشُ شخصيتان داخل كلّ إنسانٍ كان قد تبنى لغةً ثانيةً، وكما هو الحال في كلّ واقعةٍ للتبني هناك ما يُضاف وهناك ما يُفقد. وهناك ولادة ناتجة عن الحاجة والخيبة سويًا»، وقد أسفرت هذه الولادة عن لغة جديدة هي «الأمريكية كلهجة منحرفة عن الإنجليزية التي تعلمتها كمعيار للغة الصواب، وبحسب تعبيرها كان ذوبان لغتها الأم هو ما صنع الكيكة، وكان هو طريق العودة وفي ذات الوقت طريق المضي قدما نحو فقدان الذات». 
      هكذا تكشف شهادات الروائيين ثنائيي اللغة عن وعيهم العميق بآثار الصراع بين اللغة الأم الموروثة وبين اللغة المكتسبة التي يبدعون بها، وهو صراع أنتج شعورا بالانكسار لدى البعض منهم، وبالتشظي والانقسام لدى البعض الآخر، وقد شبهها « لويس بيجلي» _  وهو روائي أمريكي من أصل بولندي _ بحالة اليتم، فقد هاجر مع أسرته من بولندا وهو في الثالثة عشرة من العمر وتعلم الإنجليزية في المنفى وكتب بها، لكن ظل مرتبطا بالبولندية اللغة الأم، يقول إن استخدامه للبولندية كان فطريا، وكان يتحدث بها حتى في كوابيسه، ورغم أنه تعلم وعاش أغلب عمره في الولايات المتحدة، وظل يتحدث ويكتب لأكثر من نصف قرن بالإنجليزية إلا أنه يصفها بأنها تشبه جثة في ثياب أنيقة. فهو يكتبها بصعوبة وبطء ودائما ما يشطب ويعيد الكتابة لأن لغة روحه مازالت بولندية.    
    أما الروائية الأمريكية ذات الأصول الصينية «آمي تان» صاحبة رواية «مائة حاسة سرية»، فترى في التعدد اللغوي انشطارا للذات، وتتساءل أي من اللغتين شكلها: هل الإنجليزية المكتسبة أم اللغة الأم الصينية؟ وتوضح أن المقارنات بين اللغات دائمًا ما تجعل إحدى اللغتين معيارية ومحدّدة للمنطق والتعبير الذي يُحتكم إليه؛ وبالتالي تصبح اللغة الأخرى محل اتهام وقصور.


تابعنا على
تصميم وتطوير