
داود سلمان الشويلي
- ابن زيدون:
ابن زيدون: هو أبو الوليد أحمد بن عبد الله بن أحمد بن غالب بن زيدون، من أبناء قرطبة، ومن عائلة فقهاء بني مخزوم، وقد بلغ به الطُّموح إلى أن صار وزير ابن جَهْوَر صاحب قرطبة، ثمّ وزير المعتمد بن عبّاد الذي اتُّهِمَ بالمَيْل إليه، وهو شاعرٌ وكاتبٌ، برعَ في الشِّعر والنّثر، وعُرِفَ بحبّه لولّادة بنت المستكفي، وكانت إقامته في إشبيليّة التي لم يبرحها حتّى وافَتْهُ المنيّة في أول رجب 463 هـ في عهد المعتمد بن عبّاد.
شعر ابن زيدون في ولّادة كان مصدر ناره الهوى، ولكلّ زمانٍ قصص الحُبّ خاصّته، وفي الأندلس يُضاف إلى الحُبّ سَعة العيش، وجمال المنظر، وحلو الكلام، وتقريب كلّ ذي أدبٍ وفنّ، وشاعر هذا المقال ممّن جمع المجد من أطرافه؛ فكان له الأدب، وحلاوة الّلسان، وعلوّ المنزلة، وكان ابن نعمةٍ، مليح الوجه، عربيّ الملامح والصّفات، شديد الاعتداد بالنّفس، يتأبّط كبرياءه كما يتأبّط الفارسُ سيفَه. أمّا الحُبّ فقد بلغَ منه مبلغًا كبيرًا، وكان في صورة ولّادة بنت الخليفة المستكفي، الأميرة الأندلسيّة، والشّاعرة الفصيحة، وكانت صاحبة مجلسٍ أدبيٍّ مشهودٍ له في قرطبة، يرتادهُ الشّعراء والأعيان ليتحدّثوا في شؤون الأدب والشِّعر، وهنا كان لقاء الحبيبين، ثمّ شبّت نار الهوى، وأُحيكت القصّة، ودارت كأس الشِّعْر بين الاثنين بين وصلٍ، وهجرٍ، وحُبٍّ، وغيرة، وكثير من الأشعار ما توضّح أنّ شِعر ابن زيدون في ولّادة كان صادقًا، ملتهبًا، يُذكيهِ الغياب كما الحضور.
ومن شِعر ابن زيدون في ولّادة وقد كان يقضي الليلَ في ندوتها طَرِبًا قولُه:
إِلَيكِ مِنَ الأَنامِ غَدا ارتِياحــــي
وَأَنتِ عَلى الزَمانِ مَدى اِقتِراحي
وَما اعتَرَضَت هُمومُ النَفسِ إِلّا
وَمِن ذِكراكِ رَيحاني وَراحـــــ،ي
فَدَيتُكِ إِنَّ صَبري عَنكِ صَبري لَدى عَطَشي عَلى الماءِ القَــــــراحِ
وَلي أَمَلٌ لَوِ الواشونَ كَفّــــــوا لَأَطلَعَ غَرسُهُ ثَمـــــــَرَ النَجـــــــاحِ
وَأَعجَبُ كَيفَ يَغلِبُني عَـــــــدُوٌّ
رِضاكِ عَلَيهِ مِن أَمضى سِــــــلاحِ
وَلَمّا أَن جَلَتكِ لِيَ اِختِلاسًـــــــا
أَكُــــفُّ الدَهـــرِ لِلحَينِ المُتــــــاحِ
وقال:
أَحينَ عَلِمتَ حَظَّكَ مِـن وِدادي
وَلَم تَجهَل مَحَلَّكَ مِن فُؤادي
وَقادَنِيَ الهَوى فَاِنقَدتُ طَوعاـً
وَما مَكَّنتُ غَيرَكَ مِن قِيادي
رَضيتَ لِيَ السَقامَ لِباسَ جِسمٍ
كَحَلتُ الطَرفَ مِنهُ بِالسُهـادِ
أَجِل عَينَيكَ في أَسطارِ كُتبــــي
تَجِد دَمعي مِزاجاًّ لِلمِــــ،ـدادِ
فَدَيتُكَ إِنَّني قَد ذابَ قَلبــــــــــي
مِنَ الشَكوى إِلى قَلبٍ جَمـادِ
***
- ولّادة بنت المستكفي:
أما ولادة فهي ولاّدة بنت المستكفي (994 - 26 مارس 1091م)، أميرة أندلسية وشاعرة عربية من بيت الدولة الأموية في الأندلس، ابنة الخليفة المستكفي بالله. اشتهرت بالفصاحة والشعر، وكان لها مجلس مشهود في قرطبة يؤمه الأعيان والشعراء ليتحدثوا في شؤون الشعر والأدب بعد زوال الخلافة الأموية في الأندلس.
كانت ولاّدة من أروع الشعراء والأدباء في زمانها، وكانت لها مكانة مميزة في الشعر، وقد تركت وفاتها فراغاً كبيراً في نفوس محبيها وقد عمرت عمراً طويلاً، ولم تتزوج وماتت لليلتين خلتا من صفر سنة 484 هـ (الموافق لـ 26 مارس 1091).
تشتهر ببيتين شهيرين من الشعر قيل أنها كانت تكتب كل واحد منهما على جهة من ثوبها:
أنـــــــــــا والله أصلح للمعالي
وأمشي مشيتي وأتيــه تيهاً
أمكن عاشقي من صحن خدي
وأعطي قبلتي من يشتهيها
***
علاقتها بابن زيدون
بعد مقتل أبيها الخليفة المستكفي جعلت ولاّدة دارها منتدى لرجال الأدب وانصرفت إلى اللهو. وفي تلك الفترة اتصلت ولّادة بابن زيدون واشتهرا بقصة حب إلا أن هذا الغرام لم يدم طويلاً قيل لأسباب كثيرة إلا أن أرجحها هو أن ابن زيدون تعلق بجارية سوداء بارعة في الغناء ليثير غيرة ولاّدة فتعُود إليه بعد أن انصرفت عنه وقد عاتبت ولاّدة ابن زيدون قائلة:
لَو كنت تنصفُ في الهوى ما بيننا
لم تهوَ جاريتي ولـــــم تتخيّرِ
وَتركتَ غصناً مثمـــــــراً بجماله
وجنحتَ للغصنِ الذي لم يثمرِ
ولقد علمت بأنّني بدر الســــــــما
لَكن دهيت لشقوتي بالمشتري
وحاول ابن زيدون إستدرار عطفها ببراعته الشعرية فاهداها نونيته الشهيرة والتي مطلعها
أضْحَى التّنائي بَديلاً عنْ تَدانِينَا،
وَنَابَ عَنْ طيبِ لُقْيانَا تجافينَا
إلا أن ولاّدة لم تأبه به وأرادت ان تجازيه غيظاً فألقت شباكها على رجل قليل الذكاء وواسع الثراء هو الوزير أبو عامر بن عبدوس ثم قطعت علاقتها بابن زيدون.
***
في هذه السطور سنناقش ما ورد في شعرهما، وهم المحبين لبعضهما، من لفظة اشتركا بها، وهي لقظة «مَكَّنتُ» في شعر ابن زيدون، و»أمكن» في شعر ولادة، وكيف وردت هذه الالفاظ وهي من جذر واحد، وتعطي مَكَّنتُ معنى واحدا.
يقول ابن زيدون:
أَحينَ عَلِمتَ حَظَّكَ مِـن وِدادي
وَلَم تَجهَل مَحَلَّكَ مِن فُؤادي
وَقادَنِيَ الهَوى فَاِنقَدتُ طَـــوعاً
وَما مَكَّنتُ غَيرَكَ مِن قِيادي
رَضيتَ لِيَ السَقامَ لِبــاسَ جِسمٍ
كَحَلتُ الطَرفَ مِنهُ بِالسُهـادِ
أَجِل عَينَيكَ في أَســـــطارِ كُتبي
تَجِد دَمعي مِزاجاًّ لِلمــــــِدادِ
فَدَيتُكَ إِنَّني قَد ذابَ قَلبــ،ــــــــي
مِنَ الشَكوى إِلى قَلبٍ جَمـادِ
وتقول ولادة:
أنا والله أصـــــــــــلح للمعالي وأمشي مشيتي وأتيه تيـهاً
أمكن عاشقي من صحن خدي
وأعطي قبلتي من يشتهيها
فالشاعر استخدم لفظة «مكنت» في قصيدته ليقول انه مكن حبيبته من قياد نفسه، فأصبح مقادا منها. وفي المقابل استخدمت هي اللفظة ذاته بتصريف آخر، وهو «أمكن» لتمكين عاشقها من صحن خدها ليقبله، وهو نفسه الذي مكنها من قياده. ولو كان الشاعر ابن زيدون، وكذلك الشاعرة ولادة، قد ذكرا تاريخ كتابة القصيدتين لكان التاريخ واحد، ولكن هذا لا يهم ما دام الحبيبان يعيشان فترة الحب ذاتها.