رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
حكايات وأشعار وتراتيل أفكار تفرُّ من بين أنامل الحكمة والفلسفة الأعمال السردية الكاملة «المجلد الأول» للكاتب واثق الجلبي


المشاهدات 1027
تاريخ الإضافة 2022/08/03 - 8:55 PM
آخر تحديث 2022/08/08 - 2:11 AM

  قراءة / باسمة العوام:
لابد قبل أن تلج عالم “واثق الجلبي“  أن تكون مستعداً لكل الفصول ، مدججا بكل أشكال الثقافة والفلسفة والتاريخ، تستدرج الفوانيس من بطن الليل ، تحقنها لهفةً لغدٍ قد يأتي وقد ينطفئ ؛ ثم تفتح أبواباً أوصدها الزمن على سراديب اليقين والحقيقة عند حدودٍ تفصل بين اللاشيء وكل شيء . بصمتٍ يحيك لك سندباد لقلبك وعقلك ،  يأخذك إلى اللاحدود واللازمن ، تمزق سبل المنطق في عتمة مسرحٍ  فقد ألوانه  ، تتصفح ذاكرة الوعي و اللاوعي في زحام الصور والأحداث على خشبة الحياة .  
__ عندما فتحت هذا المجلد ، وجدتُني في كل صفحة وتحت كل عنوان ، أمام مجلدٍ من التراكيب والمعاني والدلالات والصور  ، حيث قعقة القلم وانتفاضة المعاني وقرقعة نبض يكسر الصمت ويحطم السكون  ، وسؤال يطرحه الكاتب ، يحتاج الكثير من التعمق والإدراك للرد عليه ، في مقدمة يقدم  ذاته فيها قائلاً  :
“  “ في البدء 
لا استطيع النوم وفي رأسي الصغير فكرة ما ، ولا استطيع النوم واوراقي لم تتشح  بالسواد ولا استطيع النوم وأنا أتنفس،  فمتى أنام؟ ....” 
ثم ينهي مقدمته بسؤال يطرحه على الجميع :
“ هل يُشفي الأدب من الأسقام ؟ 
اترك الجواب لكم وعسى أن تناموا وقلوبكم أنقى من النور .” 
__ حكايات وأشعار وتراتيل أفكار  تفرُّ من بين أنامل الحكمة والفلسفة ، من سماء يسكنها شهيق الزمان وزفير الأمكنة ، من غيمات تعطلت قبل وصول الربيع ، من دهاليز ذاكرة تجر حقائب الخيبات وركام الخسائر والفوضى والتمرد إلى ميزان الحقيقة والحلم وأزلية هذا الوجود . 
__سفر بين قصص وروايات ، نسج لها كاتبها عباءات من خيوط فريدة تفرّد وتميّز بحياكتها .. خيوط من عالم الأسئلة والتساؤلات ، استخرجها من جوف الإنسانية والذات ؛ ثم ترك للقارئ الغوص في أعماقها ، يعانق ضجيجها متأملا برِيقها ، وتائهاً في فضاء بلا حدود بحثاً عن أجوبة سرعان ما يكتشف أنها مغروزة في نسيج هذا الرداء المدهش .
__ “ واثق الجلبي “ كاتب تمرد على النمطية والتقليد وعلى كل تجنيس للكتابة واللغة . أوجد لنفسه أسلوباً مميّزا في تشكيلٍ أدبي جديد امتطى صهوة الحداثة  والتطور الواعي والمدرك لمتطلبات الذات البشرية وتطور الإنسان الذي نبش أعماقه ليلقي به على قوارب الجدلية ومجاديف البحث والتأمل والاكتشاف . فنقرأ مثلا النص العاشر من المجموعة القصصية الرابعة  “ جنيّ الأكفان “ ...
ص127....
“  من هو ؟ 
من هو ؟ من أنا ؟ من أنت؟ عقل وروح وجسد ، نفس وضمير وقلب ، ذاكرة وخوف وأمل ، رغبة واشتهاء وفوضى ، ضحك وبكاء وخوف ، نار وماء وتراب ، وهواء ، نور وعتمة ،  مالح وعذب وأجاج،  كل ذلك وأكثر في كائن واحد فما أعظم من جمع تلك الأضداد وسارت بها الأقدام . 
كتب هذه المقدمة لكنه أحس بطعم الكفر فيها والخروج عن دوائر اليقين ، بعد برهة رآها عين الإيمان،  شيخه الذي يعيش بداخله ولأول مرة اتفق مع شيطانه الذي يقطن في الداخل أيضا،  ففي كهفه الكبير يعيش الشيخ والشيطان،  فلقد أعد لهما مأدبة عظيمة ، أما إيمانه فلم يدخل ولم يشرك به أحد،  إلتقطهما و وضعهما في قمامة لايخرج من نوافذها النمل ، داس عليهما وانطلق يكتب إيمانه بمزيد من الثقة فهو و انا أنا وأنت أنت  ، هكذا تمت الأمور في قلبه فبسط العقل رداءه ولم يعبأ بعواء الشيخ والشيطان .” .
__ أربع مجموعات قصصية ( قشرة الملح /  الاغتيال الأزرق/  لحاء الطباشير / جنّيّ الأكفان  ) ، وسبع روايات ( كل أنواع الحلي لاتفيد الموتى // شفاه الشطرنج// يوسف لا يعرف الحب // فقيه الطين // كلكامش.. عودة الثلث الأخير // منطق الطير والشيخ يوسف  // للقلب فمٌ آخر .) ، بين طياتها عشرات عشرات العناوين اختارها الكاتب بذكاء وتميز وحمّلها الكثير من الدلالات التي تقود القارئ بلهفة وشوق إلى أعماق النصوص ؛ رابطاً ذاته بالمحيط ، متحسساً أوجاع وطنه ومعاناة شعبه وآهاته ، ممسكاً بزمام العبارة والتعبير ، وريشة  المبدع الملتزم بالقضايا الظاهرة والباطنة من حوله . وعلى مراكب الواقع والخيال ، الماضي والحاضر ، التاريخ والفلسفة والدين والمجتمع بكل مقوماته وثقافاته وسياساته وقوانينه ، يحملنا “ واثق الجلبي “ ، يجدّف بمجدافي السرد والسرد الشعريّ في بحور القصة والرواية ، يشدّ الصواري بحبال الجدل ، والاستفهام شراعه،  من أعماقه ينطلق .... والوجهة الإنسان بحثاً عن كل الأجوبة .
كاتب فتح للحداثة والتحديث الأبواب على مصراعيها ، لتختلط رياحها بنسائم الحاضر وعبق التاريخ . استنشق الواقع وتغلغل في أعماقه ليصبّ زفيره على صفحات هذا المجلد ، حاملا وطنه بتاريخه وحضاراته وثقافاته ، من أساطير الماضي إلى حقيقة الواقع وأحلام الغد . 
__ من نصٍّ إلى آخر نمضي ، مع عناوين مختارة بعناية وألفاظ ترتدي عباءة الإيحاء والترميز ، منها تنبثق تراكيب مكثفة ، موجزة تثير الأسئلة والتساؤلات ، منفلتة من قضبان الذاكرة ونوافذ الماضي والحاضر ، تزاوج بين الذات والمحيط ، مختبئة بين طيات اللغة و شعرية النصوص تارة ، ومقتبسة من الأساطير والتاريخ والدين ، من سير الأنبياء والقرآن الكريم ، من عالم المسرح والفن والتصوير والفلسفة والثقافة تارة أخرى ؛ لينتهي القارئ معها إلى الإدهاش المفاجئ في كل نهاية تجعله يسبح في منولوجات صامتة مع الذات ، أو حوارات مع الآخر ،  ثائرة متمردة في بحثها عن كل معاني الوجود ، أو لعبة فكرية معقدة تظهر هوية الكاتب وقدرته على إرباك القارئ واستفزاز ذاكرته وبركان ذاته .
فنقرأ مثلا ...
ص236 ...  “ من يردع الشتاء ؟” 
“ مطبخ المستقبل لا يستخدم أدوات الكتابة في إعداد الوجبات وربما كانت الأمور التي رافقت ذلك الرجل تسير به نحو مزيد من الإقتناع بضرورة رمي كل ما يحمله عقله في أقرب قدرٍ لا يعتمر غطاء .”
ص351 .....نهاية رواية “ يوسف لا يعرف الحب “ 
“ربما عجز عن إدراك معنى الفضيلة وأزاح عن ناظريه رتابة المفاهيم الوضعية وزيف مناهج التعليم ؟! ظلت الربما تسيطر عليه وهو يقيس مسافة سقوطه من شفة البئر إلى مثواه الذي لم يحسن إليه كما أراد له أن يكون والذي أراده أن يكون التفسير النهائي لكل مامرّ به . ربما أراد أن يكون الإنسان هو الدستور وربما أراد خلق عالم بلا أردية تخنق مسافات الرؤيا ، وربما لم يرد شيئا من ذلك ..
ربما ؟! “ .
ص ..702 ... من رواية “ للقلب فمٌ آخر“ ..
“ أراد أن يفك الطلاسم ويطرد اللعنة لكنه في النهاية ذاتٌ مفردة ، كان حسن يدع اسراب النمل تأخذ ما يلقيه في زوايا الشرفة الخارجية يكلمها احيانا ويدعوها أن ترفع أصواتها بالدعاء إلى السماء ليستطيع تأدية واجبه تجاه وطنه  وأهله،  حفظ خارطة العراق القديم بكل تفاصيلها ورسمها في الماء والهواء والأواني والصحون وعلى ظهور النمل .”
ص703 .. “ فكر في نفسه 
من يرغب باستعادة العراق ؟ “
ص 713 ...” هل اضاعت خارطة العراق حياتي ؟ “ 
والنهاية ص 754 ...
“ هل يظهر ذلك الفم المختفي في قلبه إلى العلن ؟
إنه يرقد الآن بثغر باسم ففمه الروحي مازال يتكلم إلى هذه الساعة
ولأن السرد هو الناظم لأحداث النص وشخصياته وفضاءاته وأزمنته ، استطاع “ واثق الجلبي “ تقديم مجموعاته القصصية والروائية هذه معتمداً بنية المقومات الأسلوبية والفنية وتعدد المستويات الوصفية بعيداً عن التقرير والإنشاء ، يصور الذات الإنسانية ويسبر أعماقها بلغة فريدة متفردة  تتماشى ومضمون النص الذي يقدمه ؛ إذ لا يمكن للقارئ العارف أن يلمس هذا البناء السردي عن كثب دون العودة،  ربما لمرات ، للقراءة وتفكيك الجمل والعبارات واستكشاف الأحداث وهوية الشخصيات و تعالقها زمكانياً في بنية النص .
_ وفي رواياته استخدم الكاتب لغة سردية مدهشة تنوعت بين نثر وشعر ، صورة وخيال وقصة ( ضمن الرواية ذاتها )  ، و حوارات داخلية وخارجية ، وصف واقتباسات من عالم المسرح والأساطير والفلسفة والفكر ليسقطها على واقع ومحيط ومجتمع نشترك جميعا بروابطه وثقافاته ومعتقداته وتاريخه وجغرافيته ، بصراعاته وآلامه وآماله،  بماضيه وحاضره وتأثيره وتأثره بكل حديث ومستجد .
وقد عبّر الكاتب عن اسلوبه الجديد هذا  واختياراته وقصصه الفكرية وتمرده على جنسانية النص  في مقدمة مجموعته القصصية الرابعة ( جنّيّ الأكفان ) ، فيقول :
ص108...
“ قصص قصيرة أو كما أسميها قصص السرد الشعري ليست وليدة اللحظة ، هي تجارب بعمق النزيف العتيق ، حياة ماثلة أمام الأرواح الباصرة لشغف التلقي بعيدا عن لغة التواصل الاجتماعي وضوضاء المقررات الانشائية،  وربما لأني متيقن بعدم وجود شيء ميت سارعت بعملية احتكاك الحروف لإيقاد شرر لغوي يكون مفتاحا مستقبليا لفهم طبيعة الإدراك البشري ، الغوص عميقا عملية حتمية  وجدلية  يجب فك رموزها وفق منهجية الفهم والاستيعاب من منطلق الكشف والبحث عن الجديد الذي يصبح قديما بعد وقفة قلب أو إتلاف معنى .” 
__وفي النهاية أقول :  لا يمكن لقارئ “ واثق الجلبي” أن يكون عابر سبيل يعبر بسرعة متجولا بعينيه ، مسرعاً نحو النهاية ؛ بل هو مقيم بين الحروف ، يسبح بين السطور ، يحتضن ألف إشارة استفهام ويلهث على دروب الفلسفة والتاريخ والثقافة ، المرأة والحب والمجتمع  ، ينقّب في متاهات السياسة والحروب والجوع والوجع ، يتسلح بالمبادئ والقيم والعادات والدين ، يواكب كل حديث ويستقبل كل قادم ، مستفز من الأعماق ، يحطّ الرحال طويلا في كل محطة ، وما أن يصل إلى النهاية يجد نفسه مع البداية من جديد ، يردد ما قاله “ باولو كويلو “ :” في اللحظات التي عثرت فيها على جميع الأجوبة ، تغيرت كل الأسئلة “ . ويبقى الفضاء واسعاً لا حدود له في الداخل و الخارج ، مفتوحاً للقارئ لرحلة جديدة متجددة مع البحث والاستكشاف وإثبات الذات .
عن المكتبة العصرية / بغداد ، شارع المتنبي ....والتي أتت في سبع مئة وست وخمسين صفحة ( 756).


تابعنا على
تصميم وتطوير