رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
العقد والمعقود والعاقد بينهما


المشاهدات 1039
تاريخ الإضافة 2022/08/02 - 5:05 PM
آخر تحديث 2022/08/07 - 7:33 PM

مثل «اللقمة الحارة» صار لنا أكثر من عقد من السنوات نحكي عن أهمية صياغة عقد سياسي جديد بيننا كعراقيين.. يستوي من حيث الحديث عن ذلك كل قادة الرأي والفكر والسياسة في البلاد. فعلى مدى هذه السنوات لا همّ لنا بل لا شغل ولا عمل سوى الحديث عن كيفية صياغة هذا العقد السياسي الجديد. فلا صوت يعلو في كل بياناتنا ونقاشاتنا وتغريداتنا حتى لو كانت عن أزمة كوسوفو أو تايوان أو الصاروخ الصيني التائه على صوت عقدنا السياسي الجديد. لكن هل نحن جادون فعلا في كتابة أو صياغة أو طرح عقد سياسي جديد؟ الجواب لسنا جادين ولا قادرين.. كل القصة عندنا هي عبارة عن عقد نتمنى كتابته أو صياغته أو طرحه لكن كيف هو شكل هذا العقد ومَن العاقد ومَن المعقود بينهما. دلت التجربة أن لا أحد يملك الإرادة الحقيقية للتغيير الجذري نحو بناء مجتمع عراقي جديد بهوية وطنية جامعة.  
لست أريد الظهور بمظهر المتشائم وأنا المحسوب على جماعة نصف الكأس الملآن، لكن ليس من المعقول أن يتحدث كل الناس عن العقد السياسي الجديد وكأنه مجرد إضافة مادة جديدة الى مفردات البطاقة التموينية. أليس المفروض بهذا العقد أن يكتب من قبل مفكرين نخبويين تنويريين كبار لهم صوتهم المسموع ورأيهم القادر على الإسهام في صنع السياسات والمساعدة على اتخاذ القرارات؟ هذا ما حصل في كل أوربا والأمم المتقدمة التي في الغالب يمثل دستورها الدائم عقدها الاجتماعي المتوافق عليه بين النخب أولا والذي يشيع بين الناس على شكل قوانين وأنظمة وآليات عمل لتنظيم شؤون الحكم والدولة.
 بلا شك ان من بين أهم الإشكاليات التي واجهتنا بعد عام 2003 هي الهوية الوطنية التي فشلنا في إعادة صياغتها بحيث تمهد بصورة طبيعية الى صياغة عقد سياسي واجتماعي جديد.. الأخطر من ذلك حصل أن تمت صياغة دستور قفز كثيرا على الهوية الوطنية بحيث جاء متوافقا للهويات الفرعية إثنية كانت أم دينية.. وبينما يوصف دستورنا بكثرة ما يحتويه من الغام بأنه جامد فإن اللغم الأول هو تعددية صياغاته طبقا لأكثر من هوية، مرة عرقية، مرة مذهبية، مرة مناطقية، مّا جعله يناقض بعضه بعضا في العديد من المواد.. وبسبب ذلك ونتيجة له فإن همنا الوحيد وطوال 17 عاما بعد التصويت المستعجل على هذا الدستور هو كيفية تعديله.  
 وحيث إننا فشلنا في إعادة صياغة أي مادة من مواده طوال هذه المدة، فإن أي كلام عن صياغة عقد سياسي جديد يصبح مجرد حديث خرافة. مع ذلك يصر قادتنا وقت الأزمات على تذكيرنا بأهمية صياغة عقد سياسي جديد يحل كل مشاكلنا، وقد يقفز حتى على مشاكل الجيران.. فالأزمات في طبيعتها هي أبعد ما تكون ظرفا مناسبا لمثل هذه القضايا الكلية. ومع إننا غير قادرين على حل الأزمة عبر البحث عن جذورها فإننا سرعان ما نقفز عليها بل نجعلها وراءنا دون حل ونذهب بعيدا في أهمية صياغة عقد جديد. أما حين تحل الأزمة نفسها بنفسها وهو ما يحصل كثيرا، فإن حماسنا يتراجع وهمتنا تخفت بشأن هذا العقد الذي نؤجل الحديث عنه الى أزمة قادمة بانتظار .. عقد ومعقود وعاقد بينهما.
 


تابعنا على
تصميم وتطوير