رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
الصراعات الخفية في رواية (الجريمة والعقاب)


المشاهدات 1017
تاريخ الإضافة 2021/05/04 - 4:57 PM
آخر تحديث 2021/05/11 - 7:05 AM

أكرم الجنابي
الجريمة والعقاب هي رواية اجتماعية نفسية واجتماعية فلسفية ضمن أدب الجريمة من تأليف الروائي الروسي فيودور دوستويفيسكي. نُشرت الرواية لأول مرة في المجلة الأدبية الرسول الروسي عام 1866 على شكل سلسلة أدبية بحلقات متسلسلة على 12 شهرا بعد سنة، نُشرِت طبعة منفصلة ومحسنة الهيكل عن إصدارات المجلة الأدبية ضمت اختصارات وتغييرات أسلوبية أدرجها المؤلف ضمن إصدار الكتاب. تعد الرواية ثاني أطول روايات دوستويفيسكي بعد عودته من منفاه في سيبيريا وأفضل رواياته خلال فترة نضجه الأدبي، كما تصنف واحدة من أعظم الأعمال الأدبية في التاريخ.
فكرة الرواية الرئيسية هو المقال الذي كتبة بطل الرواية عن الفرق بين الأشخاص «العاديين» وغير «العاديين». تبدأ القصة بشخصية روديون راسكولينكوف الشاب المولد والطالب الجامعي السابق، القابع في العوز، والذي تسول له نفسه تحت تأثير وضعيته وصراعه الداخلي المتقلب قتل المرابية العجوز إيفانوفنا وسرقة أموالها بهدف التحرر من قيود الفقر الذي يكبله وأسرته، لكنه وبمجرد ارتكابه للجريمة، يدخل في صراع ومعاناة نفسية تفكك مبرراته الأولية تباعا وتدخله في متاهات عقلية وجسدية يحاول من خلالها المؤلف ربط الظروف الإجتماعية التي قد تدفع الشخص لارتكاب الجرائم بالحسابات المعقدة التي تتماهى داخل فلسفة العقل البشري. كانت خصوصية تطور الشخصية الرئيسية بشكل جذري على مدار روايات دوستويفسكي انفتاحا على الحداثة الأدبية وقطيعة عميقة مع التقاليد الأدبية السابقة التي تفضل وحدة وتماسك الشخصيات.
أدى نشر «الجريمة والعقاب» إلى انشقاق في المجتمع الأدبي الروسي، انقسمت على إثرها أراء النقاد أمثال ديمتري بيساريف  ونيكولاي ستراخوف ونيكولاي أخشاروموف . في المقابل ساهم نجاح الرواية عالميا إلى ترجمتها في ثمانينيات القرن التاسع عشر إلى عدة لغات منها الفرنسية والألمانية والسويدية والإنجليزية والبولندية والمجرية والإيطالية والدنماركية والنرويجية والفنلندية حيث كان للرواية تأثير كبير على الحركة الأدبية العالمية، فظهرت سلسة روايات نقسية عرفت روايات كومبانيون  استمرت في تطوير مواضيع دوستويفسكي. إضافة للأثر الأدبي الكبير، بصم مضمون الرواية على علم النفس وباحثيه مثل سيغموند فرويد الذي شكلّت أعمال ديستوفسكي عموماً والجريمة والعقاب خصوصاً مرجعا أساسياً لمُقاربة مرض الصرع. ظهرت العروض الأولى للرواية في ثمانينيات القرن التاسع عشر حيث كان أول إنتاج مسرحي في روسيا عام 1899، فيما عرضت وصورت أول نسخة مسرحية أجنبية في العاصمة الفرنسية باريس عام 1888، ليتوالى عرضها على مر العصور في مختلف الفنون المرئية والمسموعة عبر العالم حيث أضحت الرواية من كلاسيكيات السينما والأدب.
ملخص الرواية
— لقد لخـص دوستويفسكي الرواية بنفسه عندما أرسل رسالة إلى ناشر جريدة الرسول الروسي يقول فيها :
هل آمل في نشر رواية في مجلتك الرسول الروسي؟
إنها دراسة نفسية لجريمة تقع في أيامنا هذه، بل في هذا العام بالتحديد شاب من أسرة برجوازية صغيرة مطرود من الجامعة ويعيش في بؤس قاتلبدون وعي، بمبادئ مضطربة، متأثراً بأفكار غريبة غير ناضجة، مجالها الخيال يقرر الإفلات إلى الأبد من وضعه التعس يصمم على قتل امرأة عجوز، أرملة مستشار مستبد، تقرض المال بالربا لإسعاد أمه التي تعيش في جنبات العاصمة وإنقاذ أخته المستخدمة لدى مالك عقار يهدد مستقبلها، ولإنهاء دراسته والسفر إلى الخارج وليحيا سعيداً مستقيماً ملبياً واجب الطيبة
مع الآخرين من هذا الجنس البشري
إن استطعنا أن نسمي جرماً هذا الفعل ضد شخص عجوز صماء، خبيثة و عليلة ربما ماتت بعد شهر حتف أنفها
علماً أن هذه الجرائم صعبة التحقيق بشكل رهيبة لأن الدوافع والأمارات جلية واضحة وأن كثيراً من الأمور متروكة للصدفة لأمر الذي يفضح المجرم دائماً كل هذا يجعل المجرم يعزف عن مشروعه وينقضي شهر بين الجريمة وبين الكارثة النهائية القاتل غير متهم أبداً، ولا يمكن أن يكون وهنا يتضح تطور الجريمة النفساني قضايا عصية و غير متوقعة توجع قلبه العدالة الإلهية وشرعة الناس تأخذ حقها ويكره أخيراً على الذهاب إلى حيث يشيء بنفسه
لم يمت في المنفى، بل عاد ليعيش بين الناس  إن ما يعذبه هو يقظة الحس الإنساني في ضلوعه بعد أن أنجز جريمته إن قانون العدالة والطبيعة البشرية أخذا حقهما فالمجرم نفسه يقرر قبول العذاب ليكفر عن خطيئته
إن المفارقة التي نلقاها عند قراءة هذه الرواية هي أن دوستويفسكي يرغمنا على أن نتعاطف ليس مع الضحية، بل مع الجاني، حيث لا يبدو لنا كما هو المتعارف عليه في شخصية الجناة القساة الأجلاف، بل هو شخصية في غاية الرهافة والحساسية. إنه أسير فكرة، وأسير وضع اجتماعي ظالم، ومن ثم نستشعر أن ثمة تبريراً ما لفعله الإجرامي.
نهج دوستويفسكي في رواية الجريمة والعقاب على نمط رواياته الكبرى النازعة نحو الاشتغال على الرؤى والإشكالات الفلسفية. وإذا كانت رواياته الأبله أو الإخوة كرامازوف هي أيضا قد قاربت الأسئلة الوجودية؛ فإن ميزة نصه هذا (الجريمة والعقاب) هو أنه أكثر تركيزاً على السؤال الوجودي المتعلق بكيفية إثبات الذات. حتى ان مقاطع كثيرة من سرده يمكن أن تعد تأملات فلسفية معبرة عن فكرة السوبرمان كما ستتبلور لاحقاً في المتن النيتشوي. فشخصية راسكولينكوف من حيث ملامحها النفسية، وهواجسها الفكرية، قريبة جداً من المعاني الفلسفية التي سيبلورها الفيلسوف الألماني نيتشه في نقده الجينالوجي للأخلاق، وإعلانه عن ميلاد السوبرمان. ومعلوم أن نيتشه كان من القراء المعجبين بالمتن السردي لدوستويفسكي، بل إنه قال ذات يوم معبرا عن هذا الإعجاب: إن دوستويفسكي هو الوحيد الذي علمني شيئاً من السيكولوجيا.


تابعنا على
تصميم وتطوير