رئيس مجلس الإدارة رئيس التحرير
مؤيد اللامي
أول صحيفة صدرت في العراق عام 1869 م
يومية سياسية عامة
تصدر عن نقابة الصحفيين العراقيين
رقم الاعتماد في نقابة الصحفيين (1)
الطالب بين الماضي والحاضر


المشاهدات 1082
تاريخ الإضافة 2021/02/23 - 5:50 PM
آخر تحديث 2021/05/12 - 7:40 PM

الطالب الجامعي هو واجهة من واجهات البلد الثقافية وعلى الجامعة بالدرجة الاولى رعايته وغرس الالتزام الاخلاقي في نفسه وتكوينه على اسس تقديس الاخلاق والحرص على تمثلها في واقع الحياة ،فهو النخبة التي تمد المؤسسات بالقيادات التي تتكفل بتسيير دفة المجتمع وترسيخ الاحترام للقيم والمبادئ والالتزام بها في كل شأن من شؤون الحياة .
ان لطلبة وخريجي الستينيات والخمسينيات سمات متميزة ومكانة علمية عالية ، ليس في العراق فحسب بل وفي كل اقطار العالم وكانت ابواب الجامعات الراقية مفتوحة امامهم ، وبخاصة في انكلترا التي كانت تستقطب كل طلبتنا وتحتضن نسبة كبيرة من خريجينا انذاك وتغري المتفوقين منهم بكل الوسائل للاستفادة من ابداعاتهم لصالحها فنالوا المناصب العالية والمراكز المرموقة وظهرت منهم اسماء بارزة على الصعيد العالمي في مجالات الطب والهندسة والعلوم والاداب والفنون.
أضافة الى ذلك فنرى طلبتنا انذاك يتميزون بالالتزام بالحشمة بالازياء في صرح الجامعات وسلوك راقٍ يقدس القيم الاخلاقية والمبادئ الجامعية والتقيد بزمن ومتطلبات المحاضرات المنهجية.
أذن ان الطالب هو ذات الطالب ، لماذا هذا البون الشاسع في النتائج ؟
أما اليوم فطالبنا يختلف ، لماذا ؟ فالمفروض انه يكون في المحصلة أعلى مستوى وذالك لتطور الافاق العلمية وتوفر أدوات المعلومات كالكمبيوتر والانترنيت والهاتف النقال والتلفزيون ، فيستطيع الحصول على المعلومة التي يريدها حالا وهو في بيته أو في مقهى الانترنيت ، بعكس طالب الخمسينيات والستينيات وما قبلها، حيث يتطلب منه الحصول على المعلومة اياما وأسابيع أو حتى اشهرا وقد لايحصل عليها،فنراه وقد سكن المكتبات العامة والخاصة وقرأ المصادر وطرق ابواب العديد من أساتذته وأصدقائه ومعارفه .
ونعود لطرح السؤال نفسه : لماذا هذا الفرق في النتائج؟
أن طالب العام الحالي يختلف عن طالب العلم الماضي بسبب حجم المتغيرات والمعلومات التي يتلقاها عبر وسائل التقنية الحديثة ، مما يؤدي التى تغيرات في السلوك لطلابنا تتطلب ايجاد اساليب تطبيقية لمواجهة المشكلات التي تواجههم.
سوف أستعرض بعض ألاسباب التي أراها جوهرية وراء تعثر طلاب الجامعات بحكم قربي من البيئة الجامعية وملازمتي لطلابنا في الجامعات يلي ذالك استعراض التغييرات التي طرأت على سلوك ابنائنا الطلاب في السنوات الاخيرة التي لم نعدها في اسلافهم في الستينيات والخمسينيات من القرن الماضي.
ثم اختم المقال بطرح عدة حلول اراها منطقية لادارة سلوكيات ابنائنا الطلاب وحفز هممهم وإعادة الأمل العذب الى أرواحهم.
عندما أسمع دائما بوجود مايسمى بالدور الثالث والرابع (التكميلي) الذي لم اسمع به منذ تأسيس الدولة العراقية سنة 1920 م ، فلابد ان هناك اسباب اخرى قد لايطلع عليها ألا من يحتك بالنواحي التشغيلية في الجامعات من تدريس ونحوه.
أرى ان أهم الاسباب الاقتصادية والسياسية والاجتماعية مما تعترض أبنائنا في الجامعات وتبعدهم عن النجاح وطلب العلم ، حيث ان كثيرا منهم لايرغبون التعليم العالي بل أجبروا عليه لأسباب عائلية واجتماعية فهم يفضلون العمل والوظيفة لاسباب اقتصادية .ففي السابق ينتظرهم (مجلس الخدمة المدنية) ليقوم بتعيين كل خريجي الكليات والمعاهد بلا استثناء أو محاباة او محاصصة .
فهذا يقودنا الى حقيقة ان أزمتنا هي ازمة عمل ووظائف وليست ازمة تعليم .
وقد انعكس هذا الامر على تصرفات الطلاب في البيئة الجامعية وولد عدة سلوكيات، وكون مجموعات عادات منها تدني الهمة وفتور الحماس لديهم، وكذلك عدم الالتزام بأسس البيئة الاكاديمية منها عدم احترام وقت المحاضرات ، وعدم أرتداء الازياء المحتشمة في الحرم الجامعي كما ليس لهم أبسط مقومات العلم ، فنراهم لايعرفون مايريدون وأسالتهم تدور حول الدرجة وموعد اعطائها في نهاية كل فصل دراسي فقط ، مما يصل الامر الى التجاوز على الاستاذ الجامعي أن اعطى درجة اقل أو تأخر بأعطائها مما دفع كثير من اساتذة الاكفاء الى الرحيل وترك مهنة الرسل التي امضوا فيها زهرة العمر.
أنني اتساءل : كيف وصل ابنائنا الى هذه الهوة؟ وكيف سيقود هذا الجيل عجلة التنمية والاعمار ؟ وأدارة مكتسبات الوطن؟ وهم مكتئبون متعبون مما يعيشون حالات نفسية قاسية .
ورغم كل هذا الا ان هناك كوكبة من طلابنا نعدهم اعلاماً، يعيدون الى انفسنا الأمل ويتصفون بدماثة الخلق، وحب العلم والسعي اليه . واقتناص كل دقيقة لمعرفة الجديد ولكنهم مع الاسف اعداد قليلة.
هذه بعض صفات وسلوكيات طلابنا الجامعيين علينا ان نتعاون جميعا لمعالجة نفسياتهم وحل مشكلاتهم واحترام ما يدور في اذهانهم وبث الامل في ارواحهم.
وعلى سبيل المثال هناك مشاريع كثيرة لبعث الامل في نفوس ابنائنا منها مشروع (الطالب المثالي)، والعمل به كمقترح الى قادة وزارة التعليم العالي مع احترامي لهم حيث هذا المشروع يدفع ويحث طلابنا على روح التنافس العلمي.
وليسمح لي المسؤولين من زملائي في وزارة التعليم العالي والبحث العلمي والسادة المستشارين التربويين أن اضع بين ايديهم بعض المشاريع والاراء لطلابنا ومعالجة مشكلاتهم:
أولا: انشاء مركز متخصص لدراسة سلوك الطلاب الجامعيين في جامعة بغداد الموقرة من اجل تنمية علاقة تربوية وإنسانية بين الطالب والاستاذ.
ثانيا:أوصي بأنشاء دفتر جامعي (لسلوك الطالب)وفيه يكتب المرشد التربوي أو المسؤول عن سلوك الطلاب لجميع المراحل الدراسية، فهذا الدفتريعد بمثابة (وثيقة سلوك) كما كان معمول به في سب�ينيات وستينيات القرن الماضي ، لماذا ياوزارة التعليم العالي اهمل سلوك الطلاب وتداعياته على تطور البلد .
ثالثا :التأكيد على اهمية هيبة الجامعة والطالب بفرض الزي الموحد الجامعي على طلبة الجامعات لأنه ضرورة اجتماعية وتقديس للقيم والمبادئ الاخلاقية ، كما يجب على التاكيد ايضا على الهيئات التدريسية بضرورة احترام حشمة الحرم الجامعي ليكونوا مثال يحتذى به من قبل ابنائنا.
رابعا: لابد من النظر في الهياكل التنظيمية الجامعية وتحويلها الى هياكل جامعية مرنة (flexible organization university structure) لتبتعد الجامعة عن المركزية الشديدة ومستجيبة للمنافسة الدولية مما يساهم بالتبعية في نمو المعرفي للطلاب والقضاء على افة الفساد من جهة اخرى .
خامسا: الاهتمام بالمصدر أو الكتاب المنهجي الجامعي ، لانه مما يزيد في انخفاض حماس الطالب في الدراسة أن عددا من المناهج إما أن يكون قد عفا الزمن عليها ، أو إنها لا تشبع حاجات الطالب ورغباته . فضلا عن أن طريقة التدريس ما تزال يعتمد على التلقين ، بالاظافة الى ذالك بعض الاساتذة الجامعيين يقومون بتأليف مصدر منهجي للطالب بهدف الترقية وليس لنقل المعرفة، لذا ينبغي اصدار مؤلفات منهجية تجذب الطالب فكريا من حيث الاشكال الشارحة للمصادر اسوة بكتب ((Headway التابعة لمطبعة جامعة اكسفورد لتدريس اللغة الانكليزية . والابتعاد عن الملازم التي تحولت الى ملخصات وملازم ذات طابع تجاري وهذا الامر ينافي تعليمات وزارة التعليم العالي والبحث العلمي.
سادسا: التوجه نحو التعليم الالكتروني والاستمرار به حتى بعد انتهاء جائحة covid-19 لفك الاختناقات بين الطلاب وزحمة الصفوف الواقعية ، ولكن ليس ببرامج تعليم الكترونية مجانية وانما ببرامج تعليم صفية مدفوعة الثمن من قبل الجامعة كبرامج (Microsoft Forms and Teams) اما برامج google class room) ) لاتزال مجهدة للطالب والاستاذ سلوكيا ونفسيا لان معظم الواجبات والحلول يتم يتحميلها في مساحة تحميل هاتف او حاسبة الاستاذ الجامعي مما يعرضه الى انتهاك الخصوصية وفايروسات البرامج علما ان الوزارة لم تدعم الاستاذ الجامعي باجهزة حاسوب ولم تدعم الاستاذ ببرامج تدريبية وانما جعلت الهيئة التدرسية والطلاب وحدهم يواجهون مشاكل التقنية للتعليم الالكتروني وهذا هو الملاحظ في موازنة 2021 حيث جميع الاموال مخصصة للبنود التشغيلية (رواتب فقط) .
سابعا: الهوية الجامعية للطالب ينبغي ان تكون موحدة لجميع جامعات العراق (الحكومية والاهلية) ويتم اصدارها من دائرة خاصة بوزارة الداخلية حصرا.
ثامنا : ضرورة اعادة برنامج (مرتبة الشرف )التي الغيت في سبعينيات القرن الماضي والتي كانت موجودة من الاربعينيات الى ستينيات القرن الماضي ، والهدف من ذلك خلق روح المنافسة والابداع لدى الطالب كما يسبب اجتذاب بعض افضل المرشحين للجامعة وهم يشعرون بالخصوصية في صف دراسي خاص بهم وجعلهم يشعرون بأنهم يحصلون على فرصة افضل، واستشهد بخبرنشرته صحيفة الزوراء (عدد 7036 في 25/ حزيران/2019 م) الصفحة الاولى بحصول الطالبة العراقية آية سنان عبد الامير الحسني، على مرتبة الشرف الدرجة الاولى على جميع العرب والعراقيين من الكليه الملكية للجراحين في ايرلندا وكتابة اسمها على أربعة لوحات في جدران ممرات الكلية كي يبقى هناك دائما) . وايضا حصول طالب الدكتوراه صيدلة (حيدر جعفر عيسى) من جامعة ليمريك ايرلندا على (مرتبة الشرف) في الصيدلة متفوقا على اقرانه في جامعة ليمريك .
تاسعا :على رجال وزارة التعليم العالي والبحث العلمي العمل على خلق روح الابداع والتفاني في سبيل تطور البلد بدعم الاختبارات الدولية مثل PISA وTIMSS وPIRLS للتعليم دون الجامعي و اختبار SAT و ِاختبار ACT للقبول بالجامعات ودمجه مع القبول المركزي بالتوازي.
عاشرا : وثائق التخرج ينبغي ان تشمل ملاحظات الكلية أو الصف عن سلوك الطالب الجامعي وليس فقط الدرجات وأنما (وثيقة سلوكية ) خلال سنوات دراسته.
احدى عشر: اعادة النظر في تصميم الصفوف والفراغات في الصف الدراسي من حيث الجلوس والمشاهدة والاصغاء ونظام الاظاءة والتهوية للصفوف في الجامعات العراقية والاستفادة من سر نجاح التجربة الفنلدية في تصميم الصفوف الدراسية.
وأختم مقالتي بما قاله الشاعر احمد شوقي:
وَإِذا المُعَلِّمُ ساءَ لَحظَ بَصيــــــرَةٍ جاءَت عَلى يَدِهِ البَصائِرُ حولا
وَإِذا أَتى الإِرشادُ مِن سَبَبِ الهَوى وَمِنَ الغُرورِ فَسَمِّهِ التَضليــلا
وَإِذا أُصيبَ القَومُ في أَخلاقِهـــــِم فَأَقِم عَلَيهِم مَأتَماً وَعَويــــــلا


تابعنا على
تصميم وتطوير